كتاب وأراء

الأزمة السورية إلى طريق مسدود

جولة جديدة من المباحثات في آستانة، جمعت الرعاة الثلاثة، والأطراف السورية المتصارعة، إلى جانب مراقبين من الولايات المتحدة والأردن.
ليس ثمة طموحات كبيرة؛ فقط تثبيت وقف إطلاق النار ورصد الخروقات، وتنبه مرتكبيها. والأمل يحدو الجميع بتوافق دولي وسوري على استئناف مفاوضات جنيف في الثالث والعشرين من الشهر الجاري.
ميدانيا، لا يتوقف جيش النظام عن قصف المدن السورية بغطاء روسي، فيما أطراف من المعارضة تتقاتل فيما بينها.
تركيا تزحف نحو مدينة الباب السورية، وتقترب من تصفية النفوذ الداعشي هناك، وتستعد لتفاهمات دولية من أجل إقامة منطقة آمنة على حدودها مع سوريا، وبمساحة لا تقل عن خمسة آلاف كلم.
السباق على مدينة الرقة مستمر بين أطراف عديدة. قوات النظام السوري تدعي أنها على بعد عشرين كيلو من المدينة، ومقاتلو «سوريا الديمقراطية» يحاصرون أطرافها. تركيا هي الأخرى مستعدة لدخول الرقة بعد انقضاء معركة الباب، والتحالف الدولي يجهز أيضا للهجوم الموعود على الرقة.
الحابل يختلط بالنابل في سوريا، على ما يقول المثل؛ في غرف المفاوضات وفي ميدان المعارك، لا أحد يفهم ما الذي يجري بالضبط. هل عملية آستانة مكملة لعملية جنيف أم بديل عنها؟
روسيا لا ترى تعارضا بين العمليتين. لكن منطقها تعوزه الدقة. فإذا صح هذا القول وأن «آستانة» مجرد عملية لتثبيت وقف إطلاق النار، فلماذا طرحت موسكو على المتفاوضين مسودة دستور جديد لسوريا، وعرضت مقترحات لمستقبل البلاد؟
صحيح أن مخرجات آستانة تبدو أكثر فعالية من جنيف؛ فقد تمكنت الأطراف الراعية من فرض وقف إطلاق نار ولو بشكل نسبي، لكن في المقابل، أخلت بشروط واستحقاقات جنيف التي تلزم النظام الدخول بمفاوضات المرحلة الانتقالية وصولا إلى حل سياسي شامل في سوريا.
والمفارقة في عملية آستانة أن روسيا تقبل التفاوض مع المعارضة السورية المعتدلة في الغرف، وترفض السماح لها في الميدان بالتقدم للسيطرة على الرقة وتحريرها من داعش، وتشترط أن يكون السبق في هذا المجال لقوات النظام فقط.
واشنطن في المشهد كله هي الغائب الحاضر؛ تحضر بصفة مراقب في آستانة، وتغيب عن مركز صناعة القرار المحتكرة حاليا من طرف موسكو.
إدارة ترامب وعدت بتقديم خطة للقضاء على تنظيم داعش الإرهابي في سوريا نهاية الشهر الحالي، ووضع خطة محكمة لإقامة مناطق آمنة لإيواء اللاجئين شمال وجنوبي البلاد.
روسيا غير مقتنعة بالمخطط الأميركي، والنظام السوري رفضها، فيما أبدت تركيا والأردن موافقة أولية عليها.
كيف ستدخل الإدارة الأميركية لمسرح العمليات بخططها من جديد؟ لا أحد يعلم. هل تقبل موسكو بأن تتولى قوات التحالف بقيادة أميركا تحرير الرقة وتسليمها لقوات المعارضة السورية؟ أمر يصعب التسليم فيه.
تركيا لها رأي مهم في هذا الموضوع. سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على الرقة خط أحمر بالنسبة لأنقرة.
في كل المسائل إذن هناك خلافات عميقة، حتى بين الرعاة لعملية آستانة. أجندة إيران متعارضة تماما مع تركيا، وروسيا متوجسة من طموحات إيران في سوريا. واشنطن لن تمد يدها للتعاون مع طهران في سوريا مهما كلف الأمر.
هى متوالية من العلاقات المعقدة والمتناقضة، وكل خطوة تأخذنا إلى الأمام، وتفتح نافذة أمل، تقابلها خطوات تشدنا إلى الخلف.
جنيف شهدت ثلاث جولات بلا نتيجة، وآستانة بعد الجولة الثانية بحصيلة متواضعة. التفاهمات دائما ما تكون قصيرة المدى، وأطرافها يتجنبون الخوض في القضايا الرئيسية، ويكتفون بالحد الأدنى؛ إدارة الصراع لأطول فترة ممكنة. هذا أقصى ما يمكن تحقيقه في سوريا.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان