كتاب وأراء

زج الإبداع في السجون

يوما بعد يوم تصبح قضية مصادرة الكتب ومحاكمة الكتاب، بتهمة خدش الحياء العام، والقبض عليهم وحبسهم حالة عامة في بلادنا العربية، لا تمايز فيها بلد عن الأخرى، حتى في أكثر البلدان العربية ليبرالية يحدث هذا الأمر، وكأنه ثمة ما يتم الاتفاق عليه مسبقا ثم يتم تنفيذه لاحقا بالتواتر ضد الكتاب العرب، فلا يكاد يمر شهر إلا ونسمع عن مصادرة كتاب عربي ومنع تداوله وملاحقة كاتبه، والتهمة دائما هي خدش الحياء العام للمجتمع، وحين نقرأ الكتاب المقصود نبحث، نحن القراء، عما يخدش حياءنا بوصفنا نحن (العام ) الذي يتم التحدث باسمه فلا نجد شيئا، فللكتاب العربي، أي كتاب كان، باستثناءات قليلة، قراؤه المحددون، إذ ليست عادة القراءة عادة عامة ومنتشرة بين الشعوب العربية، القارئ العربي، في الغالب قارئ نخبوي ومتمرس، وقادر على التمييز بين ما يخدش الحياء العام فعلا وما يخدش خيال موتور جاهل اطلع بالصدفة على فصل ما أو سمع عنه فقرر محاكمة الكاتب والكتاب والناشر والموزع، بما يشبه محاكمة القاتل التي تشمل محاكمة كل من سهل له فعل جريمته، يحدث هذا في الوقت الذي ترفع فيه بلادنا العربية شعار محاربة الإرهاب، الإرهاب الذي لا يهدف فقط إلى ممارسة قتل من يصنف ككافر، بل إلى فرض رؤية واحدة ووحيدة لمجتمعاتنا وشعوبنا العربية، يجب معها محاكمة كل من يخرج عن هذه الرؤية، والمحاكمة تتنوع بين الاختفاء بالسجون وبين قطع الرأس أو الصلب أو الحرق أو الرجم، يحدث هذا أيضا في بلادنا العربية التي تدعي رفضها للدولة الإسلامية لصالح الدول المدنية والعلمانية، وتتم فيها محاربة كل من يناهض أنظمة هذه البلدان بذريعة أخذ البلد نحو الأسلمة، يحدث هذا أيضا في بلادنا التي يتم فيها اغتصاب النساء في معتقلات الأنظمة وأشباهها واغتصاب الأطفال وممارسة أفظع الجرائم الجنسية ضد المعتقلين والمعتقلات دون أن يتحرك القضاء العربي لمحاكمة من يفعلون هذا، وكأن هذه الأفعال طبيعيىة وغير منافية للحشمة ولا تخدش أي حياء لا عام ولا خاص، يحدث هذا أيضا باسم الدين الإسلامي الذي ألهم موروثه السردي الحسي العالم بأجمعه، هذا الموروث الذي يعرفه المسلمون ويتمثلونه في حيواتهم الشخصية السرية، بعد أن كان علنيا وواضحا في الإسلام وفي قصص المسلمين وحكايا وقصائد الشعراء زمن الخلافة الأموية والعباسبة، يحدث هذا في بلادنا في الوقت الذي تحتاج فيه هذه البلاد إلى ثورة تنويرية حقيقية تنقي الدين الإسلامي من الشوائب التي تعطي الذريعة للغرب لمحاربته واعتبار كل من ينتمي له إرهابيا محققا أو محتملا، وأول ما تحتاجه الثورة التنويرية هو ترك الفضاء الحر للكتاب والمبدعين كي يقدموا إبداعاتهم دونما خوف من أحكام مسبقة ولا حقة، ومنع تسييس القضاء بذريعة الحفاظ على حياء المجتمع، ومنع المؤسسة الدينية من التدخل المباشر والخفي في الشأن الإبداعي والقضائي، وإلا سيأتي يوم علينا كشعوب عربية نصبح فيه خارج التاريخ فعلا لا قولا فقط.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران