كتاب وأراء

الحاسدون في الأرض

كتب المتصوف الشهير «جلال الدين الرومي» في كتابه «المثنوي» قصيدة طويلة عن الحاسدين، بطلها غلام اسمه أياز، حظي هذا الفتى بمحبة السلطان محمود، فقربه منه وجعله رفيقه، لا يفارقه ولا يرد له طلبا، وكان طلبه الوحيد حجرة صغيرة نائية بعيدة عن الناس، في أحد جوانب القصر، كان يأوي إليها كل مساء ويستعرض ماضيه ويناجي نفسه قائلا وهو يضم إلى صدره أسمالا بالية: «أنت تعرف حقيقتك يا أياز فلا تغتر بنعمة الحاضر، ولا تنس حياتك السابقة، لقد كنت تعيش مع والدتك في الصحراء، حين ضل السلطان طريقه، وآوى إلى خيمتك، ثم طاب له أن ينتقل بك من العيش المرير إلى الحياة الهنيئة، ومن الخيمة المنعزلة إلى القصر الفسيح، ومن الكساء الخشن البالي إلى كساء من الحرير الناعم، فحاذر أن ينسيك اليوم ذكرى الأمس، فتفسد عليك الغد وما بعد الغد».
ووجد الأمراء والوزراء في هذه الخلوة اليومية أمرا مريبا، وإن كان السبب الحقيقي وراء هذا الارتياب أو التحجج به حظوته لدى الرجل الكبير، وبدأت الهمسات.. إنه يغشى هذه الحجرة المنعزلة كل مساء.. ويقضي فيها الليل كله.. لماذا؟ لا شك أنه قد حمل إلى هذه الغرفة ما في خزانة القصر من أموال ونفائس، وجعل منها مستودعا لكنوزه، ومع الوقت تحولت هذه الهمسات الخافتة إلى أصوات عالية ما لبثت أن وصلت إلى آذان السلطان، الذي سمح لهم باقتحام الخلوة وإن وجدوا شيئا فهو لهم، وجلس ينتظر عودتهم والحزن باد على وجهه ولسان حاله يقول: «ويحك يا أياز، هكذا يكون الوفاء ورد الجميل، لقد انتشلتك من كوخ وضيع إلى قصر منيع، ومن فراش التراب إلى السرير الناعم، ومن الخبز الحاف إلى الموائد الحافلة بجميع الأصناف»!
ثم يغير السلطان جلسته متألما ولا تتوقف الظنون ولا الألم، ويعود إلى مناجاة نفسه في شك: لا.. لا يمكن أن يكون هذا صحيحا، ما كان «أياز» عبدا للجواهر واللآلئ، وحتى لو كان هذا الأمر صحيحا، ماذا في ذلك؟ إنه عندي أغلى منها وأعز على نفسي من الفضة والذهب، إنه يملك قلبي، فما قيمة كل الكنوز أمام قلب احتله الحب، لا بد أنه الحقد والحسد.. إنهم إخوة يوسف يريدون إلقاءه في الجب، وهم إخوة قابيل الذي قتل أخاه، وهم أشقاء إبليس الذي حسد آدم، لقد ذهبوا الآن وسأنتظر.. ليس لي إلا الانتظار».
وعلى الجانب الآخر كان الحاسدون يهرولون باتجاه الغرفة ومعهم الخدم والأتباع، حاملين المعاول والمصابيح، حطموا القفل ودخلوا إلى الحجرة، وتسمرت أقدامهم، وأصابهم الذهول.. لا يوجد سوى فراش بالٍ وبضعة ثياب مهلهلة.. فقط لا غير.. ولكنهم لم يستسلموا لليأس، لا بد أنه قد دفن الثروة في أرض الغرفة، وعاودوا البحث بهمة ونشاط، هدموا الجدران، وحفروا الأرض، نقبوا في كل زاوية وكل ركن، وكان الفشل حليفهم على طول الخط، ولم يكن أمامهم سوى العودة إلى ولي نعمتهم والاعتراف بهذا الفشل، وكان أول سؤال طرحه عليهم: «هل وجدتم النفائس والكنوز؟»، وكانت السحنات المذعورة والدموع الخائفة والألسن المتعثرة والأجساد المنحنية أبلغ جواب، وقفوا منكسي الرؤوس ينتظرون أن يُبت في أمرهم، عندها تنفس السلطان الصعداء ودبت الحياة في عروقه، وطلب من الفتى المدعى عليه أن يصدر حكمه عليهم، وقبل ذلك يحدثه عن سبب احتفاظه بتلك الأسمال البالية، ووضع الأقفال على الباب كما لو كانت ذات قيمة، فرد الفتى بتواضع: «يا مولاي، ألم أكن فقيرا، فصرت غنيا، وخاملا فأصبحت نابها، بفضل ما رفعتني إليه من الرتبة السامية، إني جدير إذن بأن أحتفظ بمتاعي القديم حتى لا أصاب بالغرور، إني لا أحتفظ بهذه الأشياء لقيمتها، وأنما كي لا أنسى بداياتي، أما هؤلاء الحاسدون فإن العفو هو خير عقاب لهم....
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري