كتاب وأراء

أعداء البشر

اشتهر الممثل المصري الراحل «محمد رضا» بدور المعلم رضا، ونال شهرة كبيرة في السنوات الأخيرة من عمره، ويُروى ان أحد الممثلين ذهب اليه وهو في عز نجاحه وأفلامه تحقق أعلى الايرادات وقال له بفجاجة: «انت تحاربني وتحقد علي».. اندهش «رضا» ورد عليه قائلا: «انا لا احقد عليك وهذا ليس بدافع أنني إنسان كويس ولكن لأنني لا أملك وقتا لأحقد عليك.. أنني لا أتوقف عن العمل طوال الـ24 ساعة، فمتى أحقد؟ ثم أكمل ضاحكا ضحكته العريضة: أعدك يا زميلي العزيز أنني حينما أجلس في البيت واتعطل عن العمل.. أعدك أن احطك في دماغي.. وأحقد عليك».. ومع ذلك لم يجد وقتا في ما بعد لتحقيق هذا الوعد، إذ لم يكن في يوم من الأيام إنسانا حاقدا. وحده اللئيم من يحقد ويحسد. وحين سئل الجاحظ عن الحسد عرفه بهذه الكلمات: «داء ينهك الجسد، علاجه عسير، وصاحبه ضجر، وهو مسلك خفي يعسر الخروج منه، وما ظهر منه لا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء».. وكان للإمام «أحمد بن حنبل» خصوم لا حصر لهم، حسدوه على علمه ونزاهته وعفة لسانه ويده ولكنه لم يأبه لهم وقال قولته الشهيرة: «ماذا يستطيع أعدائي أن يفعلوا بي، إن سجني خلوة، والنفي بالنسبة لي نزهة، وقتلي شهادة، فماذا يصنع الأعداء بي».. وليس هناك داء أخبث من داء الحسد.. وللحساد علامات يعرفون بها، دناءة النفس وكثرة الشكوى والتذمر، والرياء والنفاق والكذب، والتقليل من شأن الاخرين، ميالين للذم، كارهين لكل نعمة حباها الله غيرهم. وهم بهذا يتطاولون على الخالق سبحانه وتعالى، الذي قسم الارزاق، ويسيئون الظن به.. تماما كما قال هذا الشاعر:
ألا قل لمن ظل لي حاسدا.. أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه.. لأنك لم ترض لي بما وهب
فأخزاك ربي بأن زادني.. وسد عليك وجوه الطلب
والحساد خلفاء «ابليس» في الارض، فهو أول من حسد، ولما كان الوجه مرآة القلب، فالحاسد يبتلى ببقع سوداء تشوه سحنته ولا ينفع معها علاج ولا دواء، ونصح معاوية بن أبي سفيان ولده بقوله: «إياك والحسد فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك».. ويصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود، كما قال «أبوالليث السمرقندي» رحمه الله: «غم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها، ومذمة لا يحمد عليها، وسخط الرب، ويغلق عنه باب التوفيق.. والحسد قرين الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، ومنه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث الفرقة بين القرناء، ومولد الشر بين الحلفاء». ولما سئل الرسول صلى الله علييه وسلم عن أفضل الناس قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان».. قالوا صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد».. وقانا الله شر الحسد والحاسدين.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري