كتاب وأراء

«السيد قلق» يعلن انسحابه من الحياة السياسية

«السيد قلق» هو الإسم الذي أطلق على سكرتير الأمم المتحدة السابق»بان كي مون» كناية عن ضعف إدارته للمنظمة الدولية وإكتفائه بإصدار بيانات يعرب فيها عن قلقه بشأن الحرائق الدولية المستعرة بدلا من محاولة إطفائها.
عاد الرجل مؤخرا إلى بلاده كوريا الجنوبية بعد عشر سنوات قضاها في منصبه من غير تحقيق أي إنجاز يحسب له. وقد تزامنت عودته مع استعدادات بلاده لإجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد بدلا من الرئيسة الحالية «غوين هي بارك» المتهمة بالفساد.
وهكذا وجد «السيد قلق» الباب مفتوحا أمامه لدخول السباق الرئاسي، خصوصا وأنه ألمح إلى ذلك قبل انتهاء مسؤولياته الأممية.
صحيح أن للرجل بعض المناصرين الذين استقبلوه بالهتاف في مطار سيئول. وصحيح أنه ليس وجها غريبا على الساحة السياسية الكورية كونه شغل في الماضي عددا من الحقائب الوزارية مثل الخارجية والتجارة، واسندت إليه وظائف دبلوماسية في نيودلهي وواشنطون وفيينا، ناهيك عن عمله في فترات متفرقة كمستشار للرئيس للسياسة الخارجية والأمن الوطني. وصحيح أنه يحمل درجة الماجستير منذ 1985 في الإدارة العامة من معهد مرموق هو معهد كينيدي لشؤون الحكم بجامعة هارفرد، إلا أنه لم يعط قط انطباعا حول امتلاكه لمواهب قيادية متميزة من تلك التي تحتاجها دولة صناعية صاعدة في وزن كوريا الجنوبية، خصوصا في وقت تواجه فيه الأخيرة تهديدات متصاعدة من جارتها الشمالية.
وقد رأى ملااقبون كثر أنه إذا حزم الرجل أمره وترشح فعليا للرئاسة وفاز بها، فإن الأمر سيكون بمثابة كارثة كبيرة. وبكلام آخر فإن كوريا الجنوبية ستكون في عهده عرضة لقرارات وسياسات رخوة غير حازمة على شاكلة السياسات الأوبامية، بدليل طريقة إدارته للأمم المتحدة، ثم تصريحاته التي توحي أنه سيتودد إلى زعيم بيونغيانغ بغية إعادة توحيد شطري كوريا بأي ثمن. حيث سجل عنه قوله: «أنا مستعد لفعل أي شيء لتوحيد كوريا بما في ذلك حرق جسدي».
وربما لهذه الأسباب مجتمعة قابل بعض ساسة بلاده مبكرا فكرة ترشحه بالقول أنه غير مؤهل. فمثلا قال «لي جيه ميونغ» عمدة مدينة «سونغ نام»: «إن أحد المعايير الرئيسية فيما يتعلق بمؤهلات المرشح الرئاسي هو تحقيق الانجازات في الوظائف العامة السابقة، والشجاعة في محاربة فساد الطبقة المميزة بضراوة، وهذه كلها مؤهلات غير متوفرة في بان كي مون».
غير أن ما صعـّب الأمور كثيرا أمام «السيد قلق» لتحقيق طموحاته في رئاسة بلد له حساسية شديدة إزاء الضالعين في قضايا الفساد والافساد، ليس هذا ولا ذاك، وإنما قيام الولايات المتحدة في نهاية العام المنصرم بتقديم عريضة أمام محكمة اتحادية في مانهاتن تتهم فيها شقيقه الأصغر وإبن شقيقه بتقديم رشوة لمسؤول في إحدى دول الشرق الأوسط من أجل اتمام صفقة بيع مجمع مباني في فيتنام مقابل 800 مليون دولار، وهي الأخبار التي وصفها «بان كي مون» فورا بأنها «مقلقة».
وبسبب هذه الأخبار «المقلقة»، ثم بسبب إتهامات كشفت عنها إسبوعية «سيسا» حول تلقيه مبلغ 200 ألف دولار أثناء توليه حقيبة الخارجية في 2005، فمبلغ 30 ألف دولار في 2007 من أحد رجال الأعمال المحليين، فإن شعبيته في استطلاعات الرأي تراجعت بنسبة أربع نقاط لصالح.
ولكونه مرشح رئاسي محتمل فقد سجلت كاميرات الإعلام كل عمل قام به منذ لحظة عودته من نيويورك، ليكتشف الكوريون سريعا حجم الهفوات التي وقع فيها، ومدى إنفصاله عن واقع بلده. فهو مثلا بدا جاهلا بكيفية قطع تذكرة لركوب القطار إلى مسقط رأسه، واشترى زجاجة مياه من نوع إيفيان بدلا من أن يشتري من النوع الكوري المتداول، وارتدى «المريلة» لإطعام سيدة طاعنة في دور للعجزة رغم ان الأخيرة لم تكن ترتديها، ولبس ملابس واقية خاصة عند تجربة رش نوع من المطهرات رغم أن كل من كانوا حوله أرتدوا ملابس عادية.
ولم يفت «السيد قلق» بعد أن قرأ انتقادات لتصرفاته في الصحافة، أن يبدي قلقه من تصرفات بعض الجهات التي تحاول النيل منه، على حد زعمه. لكنه في نهاية المطاف أدرك أن فساده عائق أمام ترشحه فقرر أن ينسحب من الحياة السياسية غير مأسوف عليه.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني