كتاب وأراء

قبلات سامة

من أسوأ المواقف التي تصادف الإنسان هو اضطراره للمفاضلة بين أهون الشريّن البغيضين.. فأحياناً تتفن الأقدار في وضعنا موضع الاختيار بين المر والعلقم، بين الظلمة والعتمة، بين الموت شنقاً أم غرقاً، بين السباب والبصاق، بين داعش وهتلر، بين النذل والبخيل، بين الوحدة والضياع، بين العقوق والعقم، بين غدر الحبيب وظلم القريب، وعليك أن تختار، وستحتار، والم ترضخ، فستتحفك بإهدائك الخيارين في سلة قدر واحدة.
فهذه سيدة تحكي أن لها أخين، لجأت تستنجد بكليهما على إثر تعرضها لحادث اغتصاب، فاتصلت بالأول ليساندها، فتعلل بانشغاله. فصدمت، ثم راسلت أخاها الثاني تخبره لعله يواسيها.. فما كان منه إلا أن قام بعمل «BLOCK» لها خشية أن تفضحه أمام أصدقائه ومعارفه، كما أوصى أبناءه بأن يفعلوا نفس الشيء لعمتهم. على أن الأخوين يحرصان على مراسلة أختهما هاتفياً للتهنئة في كافة المناسبات بل ويصلها منهم دعوات بالخير والتوفيق، ويتعاملان معها كأن شيئاً لم يكن.. بل وأحياناً يعاتبنها إن لم ترد على رسائلهما.. فهذه حصتها من الأخوة.. وعليها أن تفاضل بين الأخ «يهوذا» الذي ارتأى قتل أخيه ليخلو له وجه أبيه.. وبين الأخ «لاوي» الرحيم، ذاك الذي لم يجد داعيا للقتل واكتفى بـ«ألقوه في غيابة الجُب»!
وكم من سيدات حرمهن الأخوة الذكور من الميراث لمجرد أنهن أناث سينتفع أزواجهن بحصتهن من التركة.
من هؤلاء سيدة تقسم أن أخاها، ذاك الذي وضع يديه على جل ميراثها ويقدر (بعشرات الأفدنة) قد ثبت أقدامه أيضاً في بيت العائلة ليؤسس واقعا جديدا باستغلاله لكل شبر في البيت له ولبنيه، بحيث لم يعد لها أي مكان.. كما أنه كان يغلظ عليها أمام الجميع إذا ما زارتهم ويتعمد إهانتها ويطفئ أنوار الدار ويعتم المجالس بوجه مسودٍ عبوس ويتصيد لها الأخطاء، فباعدت بين الزيارات بُعيد سلسال قاسٍ من الصد والنصب، على أنه يداوم على إرسال خروف لها كل عيد.. وإذا ما التقيا أخ بأخته لقاء الغرباء أو جمعتهما الأقدار بمكان، أخذ يغمرها بأحضان وقبلات سامة.. هكذا وصفتها قبلات سامة.. بل ويسألها وبراءة الأطفال في مقلتيه: «لما لا تأتي لزيارتنا؟ أرجوك.. ويكررها أرجوك لا تغيبِ.. البيت بيتك».
وحين سئلت أيهما كان أقسى: نصبه عليها أم قسوته و«استهباله»؟ صمتت ولم تجب.. لأن أمام الخيارات المعدومة أو المحصورة فإن القياس يكون بين السيئ والأسوأ لا بين الحسن والأحسن وكلاهما سام.
حتى الدول كثر ما تقع في مواقف مفاضلة بين خيارين كلاهما شر، لتحتار بين أهون الشرين، فرضوخ أي دولة للتعامل مع عدوها ليس دليل خيانة ولكنها حسابات تخضع لموازين القوى والهوان والمواءمة بين الممكن والمتاح.
في حياة كل منا مواقف تحاصره فيها الدنيا بخيارين أحلاهما مر، حتى أنه قد يبلغ به الأمر لأن يشتاق للمر بعدما تجرع العلقم، يطوق للاستهبال بعد أن ذاق النصب والمثل الشعبي يقال: «ما الذي صبرك على المر، قال الأمر منه».
سأل الطبيب مريضه مستفسراً
دُللني مريضي: كيف أداويك؟
نادى الراعي رعيته متوسلاً
ردي خرافي: كيف أراعيكِ؟
ناشدت الأم طفلها مستعطفة
قل لي وليدي: كيف أربيك؟
استفسر المعلم من تلميذه مستعلماً
أنبئني بُني: للعلم، كيف أهديك؟
سأل الزوج شريكته مستهبلاً
أخبريني حبيبتي، ماذا أهديكِ؟
خطب الحاكم في شعبه متودداً
شعبي الحبيب: كيف أحميك؟
فطن المسؤول لخبث سائله
فأجابه مقتضباً: تباً لك

داليا الحديدي