كتاب وأراء

الانكسارات العربية .. حاضر بائس ومستقبل غامض


ما بين يناير 2011 ويناير 2017 جرت مياه كثيرة تحت الجسر في المنطقة العربية، ما بين ابتهاج وترحيب بما حملته رياح التغيير في البداية وإحباط ورفض لما آلت إليه النتائج وسط مرحلة من الغموض المفعم بالقلق حول الحاضر وبالتوقعات السلبية للمستقبل.
أحدث التقارير البحثية الغربية عن حالة العالم العربي طرحها مركز كارينجي للشرق الأوسط، تحت عنوان «انكسارات عربية: المواطنون، والدول، وعقود اجتماعية». ويلخص التقرير الأسباب في مجموعات تضم تجارب المواطنين العرب المتغيرة في سياق الضغوط الديموجرافية والهجرة البشرية والاستقطاب السياسي والحراك الاجتماعي، وأزمة الحوكمة في أرجاء المنطقة، والضغوط على الأنظمة الريعية، وتأثير القطاع الأمني ووسائل الإعلام على السياسات العربية، والنظام الإقليمي الآيل للانهيار في سياق حافل بالعديد من الصراعات الداخلية النزاعات بين الدول وشح الموارد.
ولا يتفاءل التقرير لا من الحاضر ولا من المستقبل، بل يقدم رؤية صادمة عن كل منهما.. «ستطلب الدول من المواطنين التضحية بمزايا المعونات الاجتماعية التي اعتادوا عليها منذ عهد بعيد بدعوى التقشف المالي، وسيقبل المواطنون بذلك، ولكنهم من جهة أخرى سيتوقف قبولهم بالأنظمة القديمة وسيطالبون بالمساواة والعدل وبدور أكبر في القرارات المتعلقة بالقضايا الوطنية.
وأما السلطات التي ستخشى الإصلاح،فإنها ستواصل التشبث بالوضع الراهن المتهافت حتى لو أسفر ذلك عن نتائج كارثية».
وحتى لا تقع هذه النتائج الكارثية يؤكد التقرير أنه لن يكون بمقدور الدول العربية تنمية مجتمعات مزدهرة إلا إذا اقتدت بنماذج سياسية واقتصادية جديدة. هنا لا يقدم التقرير شرحا لما يدعو إليه من نماذج جديدة. ولكنه في مواضع رئيسية منه لا يرى حلا إلا في ترسيخ المواطنة والتنوع أو التعددية السياسية، وكذلك التخلص مما أسماه الركود السياسي والنزعة التسلطية والفساد.
من يتأمل محتويات التقرير لا يملك إلا التعبير عن التقدير لجهد أصحابه وأهميته لصانع القرار العربي. ورغم ذلك يمكن طرح ثلاث ملاحظات بشأن محتواه والفائدة المرجوة منه.
الملاحظة الأولى تتعلق بما يمكن تسميته إعادة إنتاج القديم ولكن بلغة ومعلومات معاصرة. فالمتابع للشأن العربي قبل أحداث 2011 لا يجد جديدا في كل ما جاء به تقرير كهذا لا من حيث التوجه ولا حتى من حيث المفردات. ولو شحذ البعض ذاكرته بعض الشىء لأكتشف أن كثيرا من تقارير الأنظمة العربية الرسمية في ذلك الزمان وصلت إلى نفس التشخيص وطرحت نفس المفردات!. فقط ظلت المشكلة قائمة لأن الأنظمة لم تطبق ما كانت تصل إليه من توصيات أو قرارات، أو لأنها تباطأت كثيرا في التطبيق فسبق السيف العزل.
وأما الملاحظة الثانية فتتعلق بتغافل التداخل ما بين الداخل والخارج في مسار التطورات العربية.فقد اهتم التقرير بالتركيز على العوامل المحلية التي أدت إلى تدهور الأوضاع. ولا أحد يقلل من أهمية ذلك، ولكن الكثير مما ورد في التقرير سواء ما يتعلق بالاستقطاب السياسي والحراك الاجتماعي والخلافات المذهبية، والأخطر مشهد الهجرة البشرية وغيرها من المآسى الإنسانية، إنما وقع بفعل التدخلات الخارجية الغربية سياسية كانت أم عسكرية.
وتتعلق الملاحظة الثالثة برؤية العالم، وهي مسألة فكرية وثقافية بالدرجة الأولى وتنصرف إلى تحديد ما يريده العرب لأنفسهم في هذا العالم المضطرب وما يريدونه من غيرهم. وإلى الآن وبعد كل هذه السنوات الطويلة في معارك العرب مع الخارج لا تريد مراكز الأبحاث الغربية أن تقبل أو حتى تتفهم أن جدول القيم ومضمونها مختلف إلى حد كبير مع ما عرفه الغرب. العدالة تأتى في مقدمة أولويات القيم لا الحرية ولا المساواة رغم الإيمان بهما. والعقيدة محور أساس في تحديد المواقف من الآخر ومن الأحداث ذاتها. التقارير الغربية لا تهتم بهذا وذاك في تناولها للشأن العربي، بينما تضع كل تركيزها على الحرية، ولذلك تظل التقارير الغربية بعيدة عن حقيقة الواقع العربي.

عبدالعاطي محمد