كتاب وأراء

غاب الجمهور .. غاب الهدف !

من يهمه الأمر يجد أنَّ مؤسسات الدولة الثقافية تنظم لفيلق كبير من الفعاليات الثقافية والفنية والمعارض وورش العمل، والمطلع كذلك ممن يهمه الأمر للإعلانات في صحافتنا المحلية أو عبر المواقع الاجتماعية والمنتديات الحوارية يجد بين الفينة والأخرى دعوة لحضور فعالية ما أو إعلانا لزيارة عازف أو فنان أو روائي أو ما إلى ذلك، وبالفعل نحن محظوظون جدا أننا نعيش في دولة حراكها الثقافي لا يهدأ على مدار السنة، فلا مواسم ذات ذروة لدينا فيما يخص تنظيم هذه الفعاليات النخبوية والعامة والخاصة فتجد خلال فصول السنة الأربعة ابتداء من العطلات إلى اوقات العمل والدراسة عددا كبيرا من المؤتمرات والندوات واللقاءات وحلقات النقاش وحفلات تواقيع الكتب والأمسيات المتنوعة وبشكل يومي، فليس الامر ندرة في الفعاليات، ولكن كثيرا منها يتسم بالتقليدية التي ملها الادباء أنفسهم، وبالخمول الفكري، الذي لا يثير قضايا للنقاش أو الحوار لأنها تبتعد عن المواضيع الاشكالية، بل وترسخ أعرافاً تقوم على تجنب النقد الصارم أو التنويري، وتعمد إلى تكريس مبدأ الاستماع والسكوت، من باب أن المناسبة للاحتفاء الذي يتطلب لغة المديح، وللعرض الذي يستوجب التهنئة والتكريم، وسوادها الاعظم الذي اود التحدث عنه هو غياب الجمهور، فالمدرجات أو القاعات تملؤها الاشباح بغربتها الشديدة عن جمهورها المباشر المتوقع الحضور!
ان اشكالية غياب الجمهور عن كثير من فعاليات الحراك الثقافيّ والفنيّ تدعو إلى التساؤل عن مكمن هذا الخلل، وربما كان الأمر يتعلق بنوعية النشاطات التي تقام وأهميتها، أو بعدم التنسيق ما بين الهيئات الثقافية المنظمة للأنشطة في أوقات تتضارب بعضها مع بعض، وما هو لافت في هذا السياق، عزوف المثقفين، بل عزوف منظمي الفعاليات أنفسهم عن حضور هذه الفعاليات (في بعض الأحيان)، وقد تباينت آراء فنانين ومثقفين حول أسباب انحسار الجمهور عن الفعاليات الثقافية والمعارض الفنية، ورأى بعضهم أن التقنيات الحديثة من تليفزيون وسينما وإنترنت جذبت قطاعاً كبيراً من الناس، ما تسبب في شبه غياب للجماهير عن الأنشطة الثقافية، واعتبر آخرون أن المشكلات الحياتية اليومية، كأزمة الازدحام المروري ودوامات ساعات العمل، تقف حائلا أمام بحث المتلقي عن معرض يزوره أو لقاء شعري يحضره، ورأى فريق ثالث أن مسؤولية الغياب مشتركة بين المثقف والجمهور، فقطاع من المثقفين يتعاملون بفوقية مع المتلقين؛ ما نتج عنه عزوف كثيرين عن المتابعة، والبعض يجد وانا شخصيا منهم ان تعدد الفعاليات من ثلاثة إلى اربعة نشاطات في اليوم نفسه يسبب ارباكا للحضور.
ولاشك ان هناك نوعا من غياب التخطيط المؤسسي الذي يضع برنامجاً مسبقاً بشكل دائم، ومن ثم يبادر للإعلان عنه بشكل مكثف ومستمر لتأمين حضور جماهيري، فأغلب النشاطات عشوائية ووليدة اللحظة، يتم ترتيبها قبل أيام قليلة، وبهذا فهي لا تمتلك رؤية للعمل بأسلوب منظم طويل المدى، وهناك تقصير واضح في استثمار القنوات الاعلامية، والاعلان عن النشاطات في كل ركن أو مكان بشكل بارز، بما يسهم بشكل مكثف في الدعوة إلى حضور النشاطات.
لابد من التأكيد ان غياب الجمهور المعني عن حضور الفعاليات الموجهة له تحدٍ يلام عليه فريقان، فهو أزمة مثقّف بالأصالة، وأزمة جُمهور ثقافيّ في النّهاية، لكنّ كليهما يؤدّي إلى الآخر بالضّرورة، وان دوافع الجمهور برأيي يصعب علينا توجيهها بهذه السهولة وتعبئتها نحو الاهتمام بالحضور، فهي استعدادات شخصية وميول ثقافية ورغبة ملحة في الاستفادة القصوى من معالم الحراك الثقافي، مهما كانت ظروف الوقت والعمل وتزاحم الفعاليات وعدم الاعلان عنها متواجدة أو حتى تلك التي تعنى بفحوى المواد التي تعرض وتناقش في هذه الندوات والاجتماعات الثقافية، ففشل احداها عن تحقيق الغاية لأي سبب كان لا يعني فشل الجميع.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي