كتاب وأراء

ليس بالأمن وحده يحيا الإنسان !

لا يحتاج المرء أن يكون ضليعا في علوم السياسية ليدرك أن حادثة مقتل المواطن الايطالي جوليو ريجيني في مصر وما تلاها من تصريحات ومواقف سياسية تعكس إلى حد كبير المشهد العام لحقوق الإنسان في مصر والوطن العربي عموما

في الدول الغربية لا يمكن ان تمر حادثة مقتل مواطن مرور الكرام ولم يحدث قط ان تساهلت دولة غربية في أمر يخص رعاياها في الخارج، حتى عندما يكونون مدانين بجرائم قتل وتهريب مخدرات، اذ تبقى أذرعها الدبلوماسية تعمل بلا كلل لضمان ترحيل هؤلاء المواطنين إلى أراضيها لقضاء محكومياتهم لأن القاعدة الكبرى والحقيقية التي تعمل وفقها هذه الدول تقول أن كرامة الإنسان أهم من أي شيء آخر.

إيطاليا في قضية ريجني تقول إن كل الحقائق والدلائل تشير إلى تورط الدولة المصرية في مقتله عبر اذرعها الأمنية والاستخباراتية، اذا لا يستقيم ان تأخذ روما رواية اجهزة البوليس المصري بوصفها من المسلمات التي لا تقبل الجدال وهي التي تم تغييرها وتحريفها وإعادة صياغتها عدة مرات حتى الآن، هذا فضلا عن أن ايطاليا تدرك تماما انها تتعامل مع حكومة لا تجد ضيرا في قتل 5 مواطنين مصريين بعد أن ألصقت بهم تهمة تشكيل عصابة مسلحة لخطف الاجانب وتعذيبهم لتعود لاحقا وتنفي هذه الرواية بعد ردود فعل ايطالية عنيفة اكدت للجانب الأمني المصري ان صياغة سيناريوهات شبيهة بأفلام المقاولات في الثمانينيات ليس السبيل الامثل للعب مع الطليان!

وفق تقارير حقوقية دولية موثقة قتل منذ الانقلاب العسكري في مصر وحتى الآن آلاف الاشخاص واختفى مئات غيرهم اتضح لاحقا ان كثيرا منهم قضوا تحت التعذيب في معتقلات الأمن المصري، ولا شك ان العقلية الأمنية التي تدفع جنديا مصريا لإطلاق النار بلا رحمة على مواطن غزي عار وأعزل لمجرد محاولته تجاوز الحدود لن تجد ضيرا في قتل آخرين اذا رأت ان بقاءهم على قيد الحياة يهدد دعائم الحكم العسكري الحالي الذي يقول رأس هرمه للمصريين في كل خطاباته ان لا مكان للمعارضة في مصر الجديدة تحت الحكم العسكري رافعا شماعة الأمن والاستقرار في وجه كل من يتساءل عن الاهداف التي من اجلها قامت ثورة يناير.

خلال زيارة هولاند الاخيرة للقاهرة قال هذا الاخير للسيسي ان احترام حقوق الإنسان هو ما يجلب الأمن والاستقرار ويساهم في محاربة الإرهاب وان احترام دولة القانون يبقى أمرا أساسيا في كل الاحوال.

في نهاية المطاف يبقى لازما التذكير ان الطريقة التي قتل بها ريجني والروايات الخيالية التي نسجت لاحقا لتبرير عدم الامساك بقاتليه تمثل انعكاسا حقيقيا وصادقا للأسباب التي من أجلها قامت ثورات الربيع العربي في المقام الأول!



بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي