كتاب وأراء

إلى لبنان .. درس من فيتنام

خرجت فيتنام من الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة أنقاZZضاً. لم يترك القصف الجوي الأميركي مصنعاً إلا ودمره، ولم يترك مزرعة إلا وأحرقها.
بعد مرور عقدين على توقف الحرب وانسحاب القوات الأميركية، تطرق فيتنام اليوم باب نادي النمور الآسيوية إلى جانب كوريا الجنوبية والصين وتايوان. ومع أن عدد سكانها يبلغ مائة مليون نسمة أي بزيادة عشرة ملايين على عدد سكان مصر، فانها نجحت في تقليد التجربة اليابانية بإعادة بناء اقتصادها بعد الحرب.
فقد سجلت فيتنام في عام 2016 رقماً قياسياً في حجم الاستثمارات الخارجية حيث بلغ مجموعها 11.3 مليار دولار، أي بزيادة 105 بالمائة عن حجم الاستثمارات الدولية التي حصلت عليها في العام السابق.
فلماذا تتقدم فيتنام ويتعثر لبنان؟
كانت مصر في عهد محمد علي (أوائل القرن التاسع عشر) أكثر تقدماً من اليابان. وكان لبنان في الخمسينات من القرن العشرين اكثر تقدماً من سنغافورة. حتى أن رئيس حكومتها الأول والذي يعتبر أب الدولة السنغافورية، أوفد بعثة خاصة إلى بيروت لدراسة التجربة اللبنانية واستخلاص الدروس التي جعلت من لبنان، الدولة الصغيرة المعدومة الموارد الطبيعية (مثل سنغافورة) دولة مزدهرة. فأين اليابان من مصر اليوم؟ واين سنغافورة من لبنان؟.. لقد اصبحت سنغافورة تتصدر لائحة الدول الآسيوية المزدهرة.. فيما تراجع لبنان حتى انه يغرق في ديون خارجية يزيد حجمها على 65 مليار دولار!!..
تطرح فيتنام اليوم تحدياً جديداً بخروجها من تحت الركام ومن دون أي بنية اقتصادية، لتحقق منذ عام 1990 نمواً يبلغ 6 بالمائة سنوياً. ولا يتقدم عليها في نسبة هذا النمو من دول العالم سوى الصين.
فهل الإنسان في فيتنام هو غير الإنسان في لبنان؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من الاشارة إلى ان ثمة ميزتين تتمتع بهما فيتنام ساعدتاها على تحقيق هذه القفزة الكبيرة.
الميزة الأولى هي قربها من الصين، وتحديداً من المناطق الصناعية في الصين. ومع ارتفاع أجور العمال الصينيين نتيجة الثورة الصناعية الناجحة التي تحققت، فان هذه الصناعات تجد في اليد العاملة الرخيصة عامل تشجيع للاستثمار في فيتنام.
الميزة الثانية هي ارتفاع نسبة الشباب في المجتمع الفيتنامي ؛ ففي الصين يبلغ معدل العمر الوسطي 36 عاماً، فيما هو لا يزيد في فيتنام على الثلاثين.
ثم ان سبعة اعشار سكان فيتنام يعيشون في الأرياف حيث يتم انشاء المجمعات الصناعية.. وحيث تتوفر اليد العاملة الرخيصة.
وتنفق الحكومة 6.3 بالمائة من الدخل القومي على المعاهد والمؤسسات التعليمية. وفي دراسة دولية حول مستوى التعليم تبين ان الشبان الفيتناميين يتقدمون حتى على نظرائهم الأميركيين والبريطانيين في الرياضيات والعلوم ؛ وبذلك اصبحوا مؤهلين للعمل في صناعات حديثة ومتطورة تستخدم اشعة الليزر لإنتاج، مثلاً، ملابس الجينز التي تبدو مهترئة والتي تلقى اليوم رواجاً في كل أنحاء العالم.
وهكذا خرجت فيتنام خلال سنوات قليلة من تحت ركام الحرب المدمرة إلى دولة صناعية تشكل صادراتها 150 بالمائة من الناتج القومي.
وبالمقابل نجد ان مصر مثلاً تعاني من هجرة سكان الريف إلى المدينة، حتى ان القاهرة «تريّفت»، وبدأت تفقد وهجها المديني البراق.
أما لبنان فقد فشل في مشروع إقامة مدينة للصناعات الالكترونية «سيليكون فالي لبنانية» بالتعاون مع شركات الكترونية عالمية بسبب الصراعات المذهبية والطائفية حول الموقع الذي يفترض أن تقام فيه تلك المدينة!!
من الطبيعي ان تتعرض دولة تجتذب استثمارات خارجية كبيرة وتحقق نمواً سريعاً إلى انتكاسات نتيجة مغامرات غير محسوبة جيداً. وحتى لا تنعكس هذه المغامرات على الوضع العام، أنشأت الحكومة الفيتنامية مصرفاً أطلقت عليه اسم «المصرف الأسود». وحددت مهمته في معالجة قضايا الافلاسات والمشاريع المتعثرة حتى لا تعكس آثارها السلبية على الاقتصاد المتنامي.. أو أن تسيء إلى سمعته والى الثقة به.
واليوم تصدّر فيتنام إلى العالم أجهزة ومعدات صناعية ثقيلة والكترونيات حديثة، وملابس أنيقة.. ويعجز لبنان عن استثمار آبار النفط المكتشفة في مياهه الاقليمية. ويعجز حتى عن تصدير انتاجه من التفاح والموز!!..

بقلم : محمد السماك

محمد السماك