كتاب وأراء

كثيراً ما نقرأ «6»

نقرأ هذه الكلمة كثيراً في الكتابات العربية قديماً وحديثاً، إنها «بعض» وقد نقرؤها «البعض» وهنا الإشكال، وليس هذا الجدال بين من يجيز ومن ينكر تعريفها، جديداً، بل يعود إلى أوائل العصر العباسي، وفي تلك الفترة وضعت قواعد النحو العربي بعد أبي الأسود الدؤلي (16 ق. هـ - 605 م/ 69 هـ - 688 م) الذي وضع أسس هذا العلم، ثم أكمله تلاميذه. بَعـْضُ الشيء: طائفة منه، والجمع أَبعاض، وبعّض الشيء تبعيضاً فتبعَّض: فرّقه أَجزاء فتفرق.
وقال عالم اللغة والنحو أبوالقاسم الزجاجي المتوفى سنة 337 هـ/ 949 م: وإِنما قلنا البعض والكل مجازاً، وعلى استعمال الجماعة له مسامحة، وهو في الحقيقة غير جائر، يعني أَن هذا الاسم لا ينفصل من الإضافة. قال عالـم اللغة والقراءات أَبوحاتم السـجسـتاني المتوفى سـنة 248 هـ/ 862 م: قـلت للأصـمعي (122- 216 هـ/ 740– 831 م) رأَيت في كتاب ابن المقـفع (106- 142 هـ/ 742- 759 م): «العلم كثير ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل» فأنكر الأصمعي هذا أشد الإنكار وقال: «الأَلف واللام لا يدخلان في بعض وكل لأَنهما معرفة بغير أَلف ولامٍ. وفي القرآن العزيز: وكلٌّ أَتَوْه داخِرين». قال أَبوحاتم: ولا تـقول العرب الكل ولا الـبعـض، وقـد اسـتعـمله الناس حتى سـيـبويه (148- 180هـ/ 765- 769 م) والأَخفش (توفي 177هـ/ 793م) في كتبهما لقلة علمهما بهذا النحو فاجتنب ذلك فإِنه ليس من كلام العرب. وقال الأَزهري (282- 370 هـ/ 895ـ980م): أجاز النحويون الأَلف واللام في بعض وكل، وإنْ أباه الأَصمعيّ.
المشكلة إذن في تعريف بعض وكلّ، أما صياغة الجمل التي تحتوي على هاتين الكلمتين فأمر آخر.
وردت كلمة «بعض» في القرآن الكريم 57 مرة وبعضاً 9 مرات وبعضكم 20 مرة وبعـضنا 3 مرات وبعـضها 4 مرات وبعضهـم 33 مرة، ولا يتسـع المجال لإيراد بعض الآيات، ولكنها لم ترد معرفة «البعض» مطلقاً.
لكنني بحثت عن كلمة «البعض» في الشعر العربي القديم والحديث، ووجدت أن أكثر من 150 شاعراً أوردوها في قصائدهم، ولن أذكر شعراء العصور المتأخرة وصولاً إلى العصر الحديث، بل سأذكر بعض الشعراء الذين يعتد بلغتهم كابن أبي الحديد وكان عالماً باللغة، والإمام ابن قيم الجوزية، وصالح بن عبدالقدوس في القرن الثاني الهجري، وابن رشيق القيرواني، والمتنبي، وابن عبدربه الأندلسي (مؤلف العقد الفريد) وأبوهلال العسكري، والشريف الرضي، والمتنبي.
واستعنت بالكومبيوتر لأكتشف أن أكثر من مائة مؤلف أوردوا كلمة «البعض» في كتبهم، منهم: جلال الدين القزويني (الإيضاح في علوم البلاغة) والجاحظ في البيان والتبيين والحيوان والرسائل، وابن قتيبة الدينوري (الشعر والشعراء) والمبرّد (الكامل في اللغة والأدب) والآمدي (الموازنة بين أبي تمام والبحتري) والزمخشري (المستقصى في أمثال العرب) وإمام اللغة أبومنصور الثعالبي (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، يتيمة الدهر) وعبدالقادر البغدادي (خزانة الأدب) وعبدالقاهر الجرجاني (دلائل الإعجاز في علم المعاني) والحصري القيرواني (زهر الآداب وثمر الألباب) والنويري (نهاية الأرب في فنون الأدب) وغيرهم كثير. واستناداً إلى هؤلاء الشعراء والمؤلفين أفتي بجواز القول «البعض» وإن رفض الأصمعي.
ومتابعة لهذه «البعض» نجد جملاً كثيرة لا معنى لها، فعلى سبيل المثال كثيراً ما نقرأ «وقد أحبا بعضهما حباً جماً» أي إن الشاب والفتاة أحب كلّ منهما الآخر، لكن الجملة التي قرأناها وتذكرنا بالعامية «حبينا بعضنا» تعني أن لهذين «بعضاً وقد أحباه حباً جماً، وشبيه بهذا قول أحد الكتاب «وقفا هنا في مواجهة بعضهما» ويحاول بعض الكتاب استخراج الصيغة الصحيحة «كانوا يستعينون على بعضهم البعض بالأعاجم» لقد اقترب الكاتب هنا لكنه مازال بعيداً، لماذا لم يقل «كانوا يستعينون بعضهم على بعض»؟ وأسوأ من هذا ما قرأته «استقواء الأطراف على بعضها بعضاً» لقد خلط الحابل بالنابل، وكان كسابقه يستطيع الخلاص من المأزق «استقواء الأطراف بعضهم على بعض» وقال آخر «لكن مصالحهم الآنية أبعدت بعضهم عن البعض» وكان سيصل إلى الأنسب لو قال «أبعدت مصالح بعضهم عن بعضهم» وقال كاتب شهير «وأجد أن الأزواج كلهم مثل بعضهم بعضاً» ألم يكن يستطيع القول: بعضهم مثل بعض؟
ما أكثر ما نقرأ ونسمع كلمة «تعيس» فتقرأ: وكان تعيساً جداً، يا له من حظ تعيس، وعاش حياة ملؤها التعاسة، وهذا كله خطأ، فليس في اللغة «تعيس وتعاسة»، والطريف في الأمر أن فعل «تعَس» لا علاقة له بالسعادة، وهو في الأصل يعني: انكبّ فعثـَر فسقط على وجهه، وفي اللغة تعِس وتعَس يتعس تعْساً عثر بمعنى هوى وسقط، والتعْس أن لا ينتعش العاثر من عثرته، تعِس فلان يتعَس إذا أتعسه الله، والمصدر كما مر بنا «التعْس» وليس التعاسة، ولم أجد في المعاجم اللغوية المشهورة كلمتي «تعيس وتعاسة» ولا ندري من أين أتى مجمع اللغة العربية في القاهرة بهما سوى أن يكون قد جارى العامية، ومع ذلك، قد نوافق على استعمال الكلمتين لأنهما سادتا على الألسن والأقلام، وليس لهما معنى يعارض المعنى الأصلي، لاسيما أن التعْس قد يعني الهلاك والشر، وهل ثمة هلاك معنوي أكثر من التعاسة؟ أسعد الله التعساء.
والشيء بالشيء يذكـَر ويذكـِّر، فكثيراً ما نقرأ: إن الموقف خطير جداً، وهو رجل له شأن خطير، وكان مجرماً خطيراً، وجراح بعضهم خطيرة، فما مدى صحة هذا؟ الخاطر في الأصل: الهاجس أو الفكرة تعن على البال، وبالمناسبة كلمة «خطـْرة» بمعنى مرّة صحيحة، والخاطر هو الذي يخطـُر في مشيته أي يتبختر، وتجد في الكتب القديمة «فخرج يخطِر بسيفه أَي يهُزُّهُ معجباً بنفسه مُتعرِّضاً للمبارزة» وخطَرانُ الرجل: اهتزازُه في المشي وتبختره، وخَطَر بسيفه ورمحه وسوطه يخطِرُ خطَراناً إذا رفعه مرة ووضعه أخرى، ولكن ماذا عن الخطير؟ أليس للكلمة معنى يقارب المعنى الذي نريده منها الآن؟ الخطيرُ والخطَران عند الصولة والتصاول والوعيد والنشاط، والخطـَر ارتفاع القدر والمال والشرف والمنزلة، ورجلٌ خطير أي له قدْر وخطَر، ويقال: إنه لعظيم الخطر وصغير الخطر في حسن فعاله وشرفه وسوء فعاله ولؤمه. وخص بعضهم به الرفعة وجمعه أخطار، والطريف أن الخطر: العدْل، يقال: لا تجعل نفسك خَطَراً لفلان وأنت أوْزن منه. بعد هذا كله، هل نقول: خطِر أم خطير؟ أترك الأمر لكل كاتب.
كثيراً ما نقرأ «إن هذا هراء محض، أو محض هراء» أو «وكان الأمر محض صدفة أو بمحض الصدفة» والصدفة خطأ بيناه سابقاً والصحيح مصادفة، فماذا عن محض؟ المحض: اللبن الخالص لم يخالطه ماء (والمقصود الحليب) وكل شيء خالص لا يشوبه شيء يخالطه محض، وفي حديث الوسوسة: ذلك محض الإيمان أي صريحه، ورجل محض النسب أي خالصه. ويجوز القول: عربية محضة أي خالصة النسب. ونقول: محضته الود وأمحضته: أخلصته له.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين