كتاب وأراء

العصي على النسيان

كيف يمكن أن تقضي ستة عشر عاما تقريبا مع أناس لا يفصل بينك وبينهم سوى بضعة سنتميترات ثم بالكاد تتذكر أسماء بضعهم،أو تتذكربجهد جهيد بعض الوجوه حين تصادفها وتغيب عنك الاسماء والذكريات،كيف يمكن ان تنصرم سنوات الدراسة الطويلة ولا يعلق في الذاكرة بعدها سوى أسم أو أسمان..تشتاق إلى أصحابها وقد يشتاقون إليك...تلك الفرحة على سبيل المثال لا يمكن ان تُنسى..روح مًرحة وحضور طاغ.. ووجه بشوش وضاحك على الدوام... لم تكن تتكلف الظرافة وخفة الظل.ولا أذكر انها سخرت من أحد أو جعلته مادة للضحك،وأن كانت تسخر من ظروفها أحيانا وتدفعنا للضحك معها وعليها بدلا من التظاهربالحزن أو التعاطف.وجودها كان مصدر سعادة للكثيرين،طالبات ومعلمات..أما البقية من المتفوقات الجادات المتجهمات فكن لا يخفين ضيقهن منها،ويرون أنها تبدد الوقت بما لاطائل منه،وما أكثر المرات التي قدمن فيها شكاوى رسمية ضدها...الآن وبعد كل تلك السنوات لاأذكر أسماء تلك الفتيات «الاوائل» ولم يصل إلى سمعي ان واحدة منهن تولت منصبا كبيرا أوحققت شيئا يذكر،ولكنني أذكر أسم من أسعدتني وأسعدت الكثيرات،وعلمتني دون أن تدري ان التجهم والاشفاق على الذات والشكوى مضيعة للوقت.. وأن الابتسامة تفتح الابواب المغلقة...ومخطئا من يتصور ان الضاحكين من البشر بلهاء،وفارغي العقول ولا يحملون هما من الهموم،.فالضاحكون هم أكثر الناس هما،واغزرهم تجربة مع الالم. وهم أكثر الناس صدقا
وتسامحا وصبرا وأمانة..وهم يجعلون من المرح سلاحا يواجهون به متاعب الحياة وقسوتها...وهناك حكاية عن طبيب نفسي ايطالي ضجر من تردد مريض لم ينفع معه دواء ولا علاج،فنصحه بالذهاب إلى المسرح القريب من العيادة،اذ ان هناك ممثلا هزليا قادرا على اضحاك الحجر..يدعى «توتو» فرد المريض ولكنني أنا توتو... وهكذا فان الإنسان المرح لا يسبب لك الصداع والاكتئاب،ولا يثقلك بهمومه..وشكواه..أنه يسعدك دون مقابل... ولا يوجد عاقل لا يتمنى من كل قلبه أمنية الاديب الاردني الراحل عبدالرحمن منيف: هاجسي أن أعيش،وأن أكون مفيدا،وأن أكون راغبا ومرغوبا في نفس الوقت،ومادام الإنسان على هذه الارض عليه أن يحاول بكل ما في ما وسعه،لئلا يكون ثقيلا..وان يمتع نفسه والآخرين،ويجب ان يكون جادا ايضا،والجدية لا تعني ان يقطب جبينه،ان النكتة الجميلة،الكلمة المتقنة،يمكن ان تدوم وتبقى أكثر من كل خطب الزعماء والبيانات الرسمية والجهامة الزائفة،وهذا ما يجعلني في بعض الاحيان ساخرا،لاقول لهم بشكل غير مباشر،ان الحياة شديدة الغنى والتنوع والإنسان ليس موقوفا على ان يظل متجهما دائما.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري