كتاب وأراء

بين ترامب وإيران .. العراق حلبة المصارعة

خرج أوباما من البيت الأبيض فخسرت إيران صديقا كبيرا في البيت الأبيض. طهران شعرت بوطأة الفراغ والقلق بعدما اطلق الساكن الجديد في المكتب البيضاوي تصريحاته ضدها وأعاد العلاقة معها إلى المربع الأول للتوتر.
أخلت الإدارة الاميركية السابقة الساحة الشرق الأوسطية فلم تتأخر إيران في ملء الفراغ. مع اوباما وصل النفوذ الإيراني في الاقليم إلى أوسع مداه، ومع خروجه هل سيفقد الإيرانيون ورقة القوة التي كانوا يهددون بها؟ كان الحرس الثوري يسرح على مرأى من انظار الاميركيين من سوريا إلى اليمن مرورا بالعراق والخليج، جاء ترامب حاملا لغة الوعيد والتهديد.. فهل ستنقلب الصورة ويتغير المشهد؟
خطورة العودة الاميركية على النحو الذي تنتهجه إدارة ترامب تتكامل مع الاصرار الإيراني على التحدي لترتسم في المنطقة مجددا ملامح صراع قديم يتجدد بشكل اعنف. وقد اتضح ذلك في اختيار طهران الأسبوع الأول من إدارة ترامب للمبادرة إلى إجراء تجربة على صواريخ باليستية، جاء الرد الترامبي عليها سريعاً وقوياً بفرض حزمة عقوبات على 25 كياناً إيرانياً وتوجيه تحذير مباشر لإيران من الاستمرار في هذه النهج. والجديد، وغير المسبوق في موقف إدارة ترامب، أنها اعتبرت أن الوجود الإيراني في العراق ابتلع هذا البلد في الوقت الذي خسرت أميركا، كما يقول الرئيس في تغريدة له، ثلاثة تريليونات دولار أميركي. وهذا تطور جديد لم يألفه الإيرانيون، يسلط الضوء للمرة الأولى على طبيعة وجودهم في العراق.
هل يكون العراق حلبة المصارعة المحتملة؟
ترامب لا يريد أن يرى إيران في العراق بعد اليوم، يريد عراقاً اميركياً خالصاً نفطاً ومواقف عكس اوباما الذي ارتضى طهران شريكاً في اقتسام النفوذ في بلاد الرافدين. هو اتصل هاتفياً بقادة عدة في المنطقة لكنه لم يتصل بالقادة العراقيين الأصدقاء المشتركين لواشنطن وطهران. وفي المقابل فإن طهران لوّحت بإعادة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء في العراق، ودفعت بتعيين بهاء العرجي (المنتمي لمنظمة بدر المقرّبة من إيران) وزيراً للداخلية وعززت سلطات الميليشيات العراقية الموالية لها في اجهزة الدولة والمرافق الحيوية. وقبل تثبيت الجنرال ماتيس في موقع وزير الدفاع في إدارة دونالد ترامب، عينت إيران سفيرا جديدا لها في بغداد هو إيرج مسجدي، كبير مستشاري الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني» الذي يقع العراق ضمن مسؤولياته. وكأن طهران بهذا التعيين وهذه الاجراءات تريد ان تقول لواشنطن أن الكلمة الأولى والأخيرة لإيران في العراق هي لـ «الحرس الثوري» الذي لا يمكن إلّا أن يتصدى للتوجه المختلف للإدارة الجديدة لترامب.
وكان موقف الجنرال ماتيس أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ من النوع الذي لا لبس فيه. اعتبر أنّ على الولايات المتحدة المحافظة على نفوذها في العراق، حتّى بعد معركة تحرير الموصل من تنظيم «الدولة الإسلامية» لضمان عدم تحوّل العراق دولة تابعة لإيران.
واذا كان ترامب وأنصاره لايريدون علاقات جيدة بإيران، لكنهم يريدون علاقات جيدة بروسيا، فعلى الارجح أن يتقدم الحلُّ السياسي في سوريا مع بقاء الدور الأكبر للروس، وتوسع الدور التركي (وربما العربي). أمّا في العراق فسيظل الأميركيون موجودين لمقاتلة «الدولة الإسلامية» ولخلق توازُن بين إيران وتركيا يكون عمليا على حساب النفوذ المتمادي لطهران في بغداد وتهميشا له. هذا لا يعني في الضرورة أن العراق سيكون مسرحاً لمواجهة أميركية ـ إيرانية بمقدار ما يعني أن تغييرات ستطرأ على العلاقة بين الجانبين. من التنسيق الكامل بين إدارة جورج بوش الابن وطهران في عام 2003، إلى الرضوخ الكامل لإدارة أوباما أمام ما تريده إيران، هناك الآن انتقال إلى مرحلة الحذر المتبادل. فماذا ستحمل هذه المرحلة من مفاجآت للمنطقة والإقليم؟
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية