كتاب وأراء

الانتخابات الفرنسية .. مفاجآت وفضائح متتالية

تبدو الانتخابات الرئاسية الفرنسية في سباق مع «الزمن الصعب» على وقع الاعتداءات الإرهابية المتكررة التي تتعرض لها فرنسا منذ خريف 2015 من جهة، والتحديات التي يضع الرئيس الاميركي دونالد ترامب فرنسا واوروبا أمامها على الصعيد الدولي، وبالأخص في الشرق الأوسط من جهة أخرى. الحملة الانتخابية انطلقت رسميا قبل يومين وسط مشهدية يبدو معها المرشحون في حال من الإرباك والضياع، وكذلك الناخبون الذين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع في 23 ابريل المقبل.
أول تعبير عن هذا الضياع هو كثرة المرشحين في صفوف الحزب الاشتراكي، أحد أهم الحزبين اللذين يتنافسان على حكم فرنسا منذ عقود، والذي يتزعمه الرئيس الحالي فرنسوا هولاند الذي قرر عدم الترشح لدورة رئاسية ثانية. ويعود أمر العزوف إلى تدني شعبية هولاند بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، وتحاشي ان يصاب بنكسة هو وحزبه، كما حصل في الانتخابات الماضية عام 2012 مع سلفه في «التجمع من أجل الجمهورية» (الديغولي سابقا) نيكولا ساركوزي الذي فشل في تجديد ولايته.
انطلقت المنافسة ببن سبعة مرشحين في معركة الفوز بترشيح الحزب، اختار منهم الاشتراكيون أربعة، ثم كانت المفاجأة في التصفية الأخيرة التي هزم فيها وزير التربية السابق بينوا هامون (أصول مغاربية) رئيس الحكومة ايمانويل فالس، وأصبح المرشح الرسمي للحزب الاشتراكي للرئاسة.
ولكن الصورة تبقى ضبابية، إذ ان هذا التنافس الشديد كان قد سبقه خروج وزير الاقتصاد الشاب ايمانويل ماكرون من الحكومة الحالية معلنا ترشحه للرئاسة، واستمر يغرد منفردا خارج السرب. وهو اليوم ينافس في الموقع الثاني مرشح اليمين المحافظ عن «الجمهوريين» (الديغوليين سابقا) فرنسوا فيون، وراء مرشحة اليمين المتطرف والعنصري مارين لوبان زعيمة «الجبهة الوطنية» التي تتقدم بحسب استطلاعات الرأي جميع المرشحين. ناهيك عن مرشح آخر يساري راديكالي مستقل هو جان لوك ميلانشون الذي يحلم بتجميع اليسار حول اسمه.
غير ان حال اليمين ليست أفضل من حال الاشتراكيين، رغم انهم حسموا باكرا أمر مرشحهم للرئاسة خلال انتخابات تمهيدية كان اول المهزومين فيها الرئيس الأسبق ساركوزي، وانحصرت المنافسة الأخيرة بين رئيسي حكومة سابقين فاز فيها فيون بشكل مفاجئ أمام الأوفر حظا «الشيراكي» الهوى آلان جوبيه. وراحت التوقعات ترجح تقدمه على حساب المرشح الاشتراكي وعبوره إلى الجولة الثانية والأخيرة لمواجهة لوبان، التي ستحصل في 6 مايو المقبل.
وهكذا احتمال كان سيدفع الاشتراكيين إلى التصويت لفيون اليميني من اجل قطع الطريق على وصول لوبان المتطرفة وصاحبة الخطاب الكاره للاجانب والمهاجرين، الذين بات عددهم في فرنسا يقارب ستة ملايين، معظمهم من المسلمين. وهذا ما حصل تماما خلال انتخابات الرئاسة في 2002 حين حل زعيم «الجبهة الوطنية» لوبان الأب ثانيا على حساب مرشح الحزب الاشتراكي ورئيس الحكومة الأسبق ليونيل جوسبان، في مواجهة جاك شيراك الذي تمكن يومها من الفوز بدورة رئاسية ثانية.
الى ان... انفجرت قبل اسبوع في وجه فيون فضيحة مالية «بطلتها» زوجته التي كانت تتقاضى، بحسب المعلومات المتداولة، على مدى سنوات معاشاً كمساعدة لزوجها النائب في البرلمان، من دون ان تكون قد مارست فعليا هذه الوظيفة. فتحرك القضاء واضعا يده على الملف، وراح فيون، المعروف بمواقفه المنفتحة على روسيا والمهادنة للنظام السوري، يتراجع في استطلاعات الرأي لدرجة ان بعض الاوساط داخل حزبه بدأت تطالبه بالانسحاب من السباق. لا شك ان هذه الفضيحة تعزز حظوظ لوبان، التي تراهن على رفض الفرنسيين للاحزاب التقليدية ولظاهرة الفساد التي بدأت تتفشى، ولكنها تواجه هي ايضا اتهامات بتدبير وظائف وهمية، تتعلق بمساعدة لها تقاضت راتبا من أموال أوروبية.
لعل ما كتبته صحيفة «الموند» في افتتاحيتها السبت الماضي يعبر عن عمق الازمة: «أجواء مسيئة من المحاباة والمحسوبية والمكاسب غير المستحقة تزيد من اشمئزاز الفرنسيين من الشأن العام، ومن شدة التعامل معهم على أنهم سذج»!
بقلم:سعد كيوان

سعد كيوان