كتاب وأراء

الكاروشي العاطفي

لو أن قلة نوم اليابانيين كما قلة نوم العشاق في بلادنا لما نجحت بلاد الشمس المشرقة في امتلاك هذه القوة الاقتصادية العملاقة التي يسن سيد البيت الأبيض الجديد أسلحته لمنافستها، وإغلاق الابواب امام صناعاتها، لبناء أميركا العظمى التي يقول ترامب ما معناه انها فرطت في صناعاتها وعبقريتها لصالح آخرين.
اليابانيون اقل شعوب العالم نوما، ولا غرابة في ذلك، فمن الطبيعي لشعب مصاب بمرض يسمى «الكاروشي»، ويعني الموت الفجائي بسكتة قلبية للموظفين الذين يعانون من ضغط العمل، أن يكون اقل شعوب العالم نوما، فقد توصل فريق من العلماء يبحث في النوم إلى هذه النتيجة، إذ بلغ متوسط عدد ساعات نومهم 7 ساعات و16 دقيقة.
أما سكان الأرجنتين فقد كانوا أكسل شعوب العالم، حيث احتل الأرجنتينيون المرتبة الأولى بين أكثر شعوب العالم نوما بوقت قدره 10 ساعات و16 دقيقة، ولا أعرف إن كان هذا البحث قد شمل عالمنا العربي من عدمه، وأغلب الظن أننا كنا المستثنى بإلا في هذا البحث، وإلا لأخرجنا الارجنتين من هذا الترتيب واحتللناه بكل جدارة، فنحن نحتفي بالنوم في لغتنا حتى إن «الضاد» ملأى بمترادفات لفظة النوم، فإن بحثت عنها في معاجم اللغة فستجد من هذه المترادفات: إغْفَاء، اسْتِرْخاء، اسْتِلْقاء، اضْطِجاع، تَمَدُّد، تَهَجُّد، رُقاد، رُقُود، سُبَات، سِنَة، غَائِرة، غَفْو، غَفْوَة، قاَلة، قَيْلُولَة، كَرًى، نُعَاس، نِيَام، هَجْعَة، هُجُود، هُجُوع، وَسَن، تَكَرّي، تَهْجَاع، رُقَاد، رَقْد، رُقُود.
ولدى السيدات في كل العالم قناعة بأن النوم أفضل حليف للجمال الطبيعي. فلا ريب أن الحصول على ساعات النوم الكافية يجعل البشرة مشرقة والشعر حيوياً، وربما إدراكهن لهذا المعنى هو الذي جعل نجاة الصغيرة تغني في أغنيتها «عيون القلب» قائلة: «وأنا رمشي ما داق النوم- وهو عيونه تشبع نوم- روح يا نوم من عين حبيبي روح يا نوم»، فهي تدعو عليه بـ «الكاروشي العاطفي» الذي أصابها، وبأن يطير النوم من عينيه وهي لا تدري تداعيات قلة النوم على الصحة العامة لحبيبها المأسوف على راحة باله، ومع ذلك فإن قلة من العشاق الصادقين الذين يصيبهم «كاروشي عاطفي» نقيض لـ «كاروشي العمل» الياباني.
وليست هذه السطور حصرا للكاروشي العاطفي في الأغاني العربية، فحالاته أكثر من الهم على القلب، وشكوى شعر العشاق العرب من قلة النوم ومن معاناة الفراق إلى حد مجافاة عيونهم النوم والبقاء على يقظة، ومساهرة للنجوم في استدعاء المخزون العاطفي من الذاكرة، شكوى أرهقت نقاد الشعر العربي من كثرتها.
ولا يطالب احد بان يصيبنا- لا سمح الله- كاروشي اليابانيين، ولكن متى الشفاء للعواطف التي يصيبها هذا الكاروشي العاطفي، الذي يكمن وراء ارتفاع معدلات البطالة وسوء التقدير والتعاسة والفوضى والخيبات الاقتصادية التي تعاني منها امة هي أغنى الامم على وجه الأرض.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي