كتاب وأراء

لـــن ندفـــع .. الابتزاز في العلاقات الدولية

«مسكينة أيتها المكسيك...بعيدة عن الله قريبة من الولايات المتحدة. عبارة قالها الرئيس المكسيكي التاسع والعشرون «بورفوريو دياز» الذي تولى الحكم بعد انقلاب عسكري في 1876. وقد كتب لعبارته الخلود مع كل خلاف وقع بين البلدين وأحدثها الخلاف الجاري حالياً بين الرئيسين الأميركي «دونالد ترامب» والمكسيكي «إنريكي نييتو». فالأول يريد أن يبني جداراً بين البلدين تقوم المكسيك بتمويله كاملاً. والثاني قالها باختصار «لن ندفع».
المكسيكيون لا يحبون لغة الأوامر بالذات من واشنطن. فذاكرتهم معبأة منذ الحرب الأميركية المكسيكية (1846-1848) والتي خسروا بسببها نيفادا وأريزونا وكاليفورنيا ويوتا ونيو مكسيكو. وخسروا قبلها تكساس بعد أن تركوا المهاجرين البروتستانت البيض يتدفقون إليها إلى أن أخذوها منهم. وعلى خلفية تلك الذكريات يتلقى المكسيكيون ابتزاز «ترامب». ففي سبتمبر الماضي وقبل أن يكسب انتخابات الرئاسة قام «ترامب» بزيارة إلى المكسيك لمدة ثلاث ساعات التقى خلالها بالرئيس «نييتو» ليناقش سبل الحد من تدفق المهاجرين من بينها بناء جدار بين البلدين تدفع المكسيك كلفته. وبعد الاجتماع خرج الرئيس المكسيكي ليعلن أنه لن يدفع وكتب على تويتر مؤكداً رفضه القاطع تمويل مشروع يريد رجل الأعمال الأميركي الثري إقامته. أما «ترامب» فعاد إلى الولايات المتحدة وكتب على تويتر «المكسيك ستدفع مقابل هذا الجدار، صدقوني مائة في المائة».
ثم فاز «ترامب». وبعد ساعات من أدائه القسم بدأ في ممارسة الاستفزاز والابتزاز. فقد مارس مع المسلمين أقصى درجات الاستفزاز، ولجأ مع المكسيكيين إلى الابتزاز. فقبل أيام خرج السكرتير الصحفي للبيت الأبيض «شين سبايسر» ليعلن أن الولايات المتحدة ستفرض 20% ضريبة على وارداتها من المكسيك وأن ذلك سيوفر بمفرده 10 بلايين دولار سنوياً تستطيع أن تمول واشنطن بها بناء الجدار. ولم يكن هذا الإعلان إلا تنفيذاً لجانب من مذكرة وقعها «ترامب» في إبريل من العام الماضي بعنوان «إرغام المكسيك على تمويل الجدار» تقترح زيادة رسوم التأشيرات على المكسيكيين وتخيير المكسيك بين دفع خمسة إلى عشرة بلايين دولار أو منع تحويلات المكسيكيين العاملين في الولايات المتحدة عنها والتي تقدر بنحو 25 بليون دولار سنوياً. باختصار: إما الدفع أو الحرمان.
كان واضحاً من إبريل 2016 أن ترامب عازم على الابتزاز وأن «نييتو» عازم على المقاومة. ولهذا قام الرئيس المكسيكي مؤخراً بإلغاء زيارته إلى واشنطن لما ألغى «ترامب» اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع المكسيك وكندا في 1994 وأصر على تمويل المكسيك للجدار، مؤكداً على لسان وزير خارجيته «لويس فيديجاراي» الذي كان قد توجه لواشنطن للترتيب للزيارة أن هناك أشياء غير قابلة للتفاوض وأن الجدار ببساطة من بينها.
ولم يكن الابتزاز من نصيب المكسيك وحدها، وإنما هو طريقة تفكير ومنهج عمل للإدارة الأميركية الجديدة. «فترامب» تحدث صراحة لما كان مرشحاً عن أن أعضاء الناتو ودولاً مثل كوريا الجنوبية واليابان وبلدان الخليج لا تدفع كما ينبغي مقابل الحماية التي توفرها لهم الولايات المتحدة. وبرغم أنه اعتبر غزو العراق أكبر خطأ استراتيجي ارتكبته بلاده إلا أنه يكرر أن أميركا يجب أن تحصل على تريليون دولار وعلى كل نفط العراق لأن المنتصر له الغنائم. وليس هذا إلا شكلاً من أشكال الابتزاز الذي هو استلاب الشيء غصباً وقسراً وتجريد الغير منه.
والابتزاز ليس جديداً في العلاقات الدولية. صدام حسين كان يبتز جيرانه بالتهديد العسكري. وإيران وإسرائيل تمارسان الابتزاز النووي. وتتمادى روسيا على حد وصف «أرين هوجوستويل» رئيس وحدة مكافحة التجسس في النرويج في الابتزاز الجنسي أو ما يعرف «بمصائد العسل». وما يفعله «ترامب» مع المكسيك وغيرها يستحق الإنتباه لأن الاعتماد على الابتزاز والاستفزاز ظناً في تحقيق إنجاز لن يدفع العلاقات الدولية إلا للإيغال أكثر في الانتهاز وهو أمر يثير الكثير من الاشمئزاز. فالعلاقات الدولية من الأصل مرتبكة. والتمادي في الابتزاز سيربكها أكثر. ولهذا لا بد من وقفة عالمية ضد الابتزاز يقضي المنطق، لو كان له قضاء، أن يكون العرب والمسلمون طرفاً فيها لأنهم يتعرضون للابتزاز والاستفزاز معاً. المكسيك من جانبها تفكر في وسائل لمواجهته من بينها مقترحات شجاعة قدمها وزير خارجيتها الأسبق «جورج كاستنيادا» ترى أن مواجهة الابتزاز وليس استرضاؤه هي الحل. والأولى بالدول العربية والإسلامية أن ترفض ما تتعرض له من ابتزاز. لكن للأسف وعلى ضوء صمت أكثرها حيال موضوع دخول المسلمين إلى أميركا فإن مواقفها باتت في حد ذاتها سبباً للاستفزاز.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات