كتاب وأراء

أوروبا الخائفة من ترامب

يشهد العالم اضطرابا سياسيا ومناخيا غير مسبوق، فقد شغل دونالد ترامب بتصريحاته وتغريداته اليومية وقراراته الدنيا والناس لاسيما بعدما أصدر قاض أميركي في محكمة سياتل قرارا يوم السبت الماضي بإلغاء قراراته التنفيذية، مما دفع وزارة الخارجية الأميركية إلى الإعلان عن تراجعها عن إلغاء 60 ألف تأشيرة كانت منحت لرعايا الدول التي أعلن ترامب عن حظرها، ورغم اتهامات ترامب للقاضي ووصفه بأنه سخيف وأنه سوف يبطل هذا الحكم دون أن يوضح ماهي الإجراءات والسلطات التي يمكن أن يبطل بها هذا القرار إلا أنه لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل ترامب هجومه على الإعلام الأميركي واتهم «نيويورك تايمز» بالكذب.
الاضطرابات السياسية والمخاوف الاقتصادية تجاوزت الولايات المتحدة ووصلت إلى حلفائها من الأوروبيين الذين أصبحوا في تخبط وحيرة من أمرهم بل إنهم تجاوزوا التخبط والحيرة إلى الشعور بالضياع والتهديد .. وقد عبر عن هذا رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك في رسالة وجهها يوم الثلاثاء الماضي إلى أعضاء الاتحاد الـ 27 من دون بريطانيا قال فيها : «إن التصريحات المقلقة للإدارة الأميركية الجديدة في سياق وضع جيوسياسي جديد في العالم، تجعلنا إلى حد بعيد غير قادرين على التكهن بمستقبلنا». وهذا يعتبر أكبر تهديد للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
ورغم تأييدها قرارات ترامب في البداية إلا أن حليفته رئيسة الحكومة البريطانية تريزا ماي اضطرت تحت ضغط البرلمان الذي وصف بعض أعضائه ترامب بأنه فاشي ويشبه هتلر وموسليني إلى التراجع وإدانة قرارات ترامب.
وقد وصل الأمر بالمخاوف الأوروبية على الصعيد الاقتصادي بوزير المالية الفرنسي ميشال سابان أن قال في مؤتمر عقده في مقر وزارة المالية الفرنسية يوم الثلاثاء الماضي «إن إدارة ترامب تشكل خطرا كبيرا على التجارة العالمية وأن القرارات الفردية الخاصة بالحماية قد تزعزع استقرار اقتصاد العالم بأسره».
إذن فنحن أمام مخاوف كبيرة من حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، وعلى هذا فإن مشهد الاضطراب السياسي يمتد من داخل الولايات المتحدة إلى جنوبها في المكسكيك إلى أوروبا حليفتها التاريخية، ثم يصل إلى إيران حيث هدد ترامب إيران بأنه لن يقف مكتوف الأيدي إزاء ما تقوم به بعد تجربتها الصاروخية.
ورغم تأكيدي في مقال سابق على أن التصعيد الأميركي ضد إيران هو مجرد هرطقة كلامية لسيناريو طويل بدأ مع سماح الولايات المتحدة بإسقاط عميلها الذي كانت تسميه شرطي الخليج محمد رضا بهلوي والسماح لآية الله الخميني بالعودة من باريس إلى طهران ليقيم نظام الملالي وأن الدولتين لم تطلق أي منهما طلقة على الأخرى منذ العام 1979، إلا أن التصعيد الكلامي بين الطرفين عكر الأجواء السياسية في العالم خلال الأيام الماضية.
كما أن الأوروبيين الذين اجتمعوا في مالطا يوم الجمعة الماضي كان يشغلهم هاجس تهديدات ترامب وبحثوا عن مخرج لها، لذلك فنحن أمام مشهد معقد قد يستمر لأربع سنوات عجاف ومازلنا في أيامه العشرة الأولى.

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور