كتاب وأراء

بين قرارات ترامب والعنف الجهادي

بناء الجدران، تصنيف المجتمعات، منع رعايا 7 دول عربية وإسلامية من دخول الولايات المتحدة بمن فيهم الأطفال وكبار السن والمعاقون والمرضى تمثل بمجملها سياسات أمر بها الرئيس ترامب. هذا الاسلوب الذي قاده الرئيس الأميركي هو الاقرب للأسرلة (نسبة لإسرائيل)، والأسرلة هي بالاساس ممارسة لشكل متقدم للعنصرية. إسرائيل ملكة العقوبات الجماعية والمنع الجماعي والجدران والقوانين العشوائية وهي الدولة الوحيدة التي ايدت انشاء جدار بين الولايات المتحدة والمكسيك. وقد انعكس هذا على كندا حيث قام متطرف كندي بقتل مصلين مسلمين في جامع.
هذه الإجراءات والممارسات أنتجت حملات مضادة من قبل قضاة ومحامين أميركيين وأدت لتظاهرات كبرى أميركية، بينما أعلنت وزيرة العدل الأميركية في حكومة ترامب معارضتها مما أدى لفصلها من عملها. ترحيب ترودو رئيس وزراء كندا بالمهاجرين كان مميزا وقياديا. من المتوقع خروج تظاهرة كبرى في بريطانيا في العشرين من فبراير في ظل مناقشة برلمانية لعريضة المليون ونصف مليون بريطاني الرافضين لزيارة ترامب للمملكة المتحدة. وقد نتج عن الحراك الشعبي الأميركي إعادة السماح على الأقل لحاملي التأشيرات الصالحة بدخول الولايات المتحدة.
وينمو الإرهاب والعنف في الاقليم العربي في جانب منه بسبب الاستبداد والتهميش والإهانة، لكن بنفس الوقت ينمو بسبب ما يقع في فلسطين والقدس، وينمو بسبب غياب البديل الديمقراطي العربي والبدائل التي تتضمن حلا حقيقيا لمشكلات السياسة والاحتكار والفساد وغياب المساءلة في العالم العربي. ينمو الإرهاب في الإقليم في ظل غياب الخيارات العقلانية والشجاعة والسلمية التي تسمح للشعوب بالمشاركة بالتغيير. إن اجتثاث هذا الطريق الثالث هو الذي يعمق الإرهاب في الاقليم العربي. فلو وقع في العالم العربي ما وقع في الولايات المتحدة من حراك سلمي ضد قوانين أمر بها الرئيس لكان القتلى والسجناء والمضروبون والمفصولون في الدول العربية بالألوف. لهذا السبب يكتسب كل حراك عربي بعدا عنيفا. هذه دائرة مغلقة ومميتة وعلى العرب ان يجدوا طريقة للخروج منها.
ومن جهة أخرى، إن عنف الجهاديين الإسلاميين يعتمد على فكر معاد للذات وللإسلام وللأقليات وللحداثة والعالم. فداعش على سبيل المثال نموذج لمدرسة تشحن كل فئة ضد الأخرى، ففي المناطق التي سيطرت عليها داعش ساد التكفير والتعسف بحق المسلمين وبحق الأقليات، الجهادية بكل مدارسها، أرادت ذلك ام لم ترد، تحولت للوجه الآخر للاستبداد العربي. حتما سيفضل الناس الاسد على داعش، وسيفضل الغرب الاسد على جماعات تهاجم متاحف وشوارع ومارة في عواصم الغرب. وقد يقال الكثير عن اختراق اجهزة سورية وعربية ودولية واسرائيلية لبعض الفئات المسماة جهادية، فعملها يتم في الخفاء، وهي تختار اهدافها بطريقة تصب في صالح اسرائيل والسلوك العنصري ضد المسلمين في كل مكان. حتما ستحتار الناس بين الاستبداد الرسمي للأسد وبين استبداد داعش إلى ان يبرز البديل الديمقراطي كما كان الوضع في بدايات الثورة السورية.
وفي ظل الوضع الاستراتيجي الراهن سيؤدي الضغط الأميركي الذي يفرضه الرئيس ترامب على إيران لبعض التراجعات بعد أن تمددت، كما سيقدم فرصا أمام أطراف عربية كان هامشها قد تراجع بسبب التمدد الإيراني في طول الإقليم العربي وعرضه. الواضح بأن الولايات المتحدة في علاقتها مع إيران ستعتمد على الاحتواء التقليدي، وهذا أقرب لسياسات أميركية تقليدية سادت زمن ريغان وكلينتون.
لقد عارض الشعب الأميركي القرارات الأميركية بشجاعة ومعه الشعوب الأوروبية وبعض قادة دول الغرب إضافة لشعوب شتى في العالم. ففي الحالة الأميركية كان الجلاد ومنتهك الحقوق أميركيا لكن المدافع عن حقوق العرب والمسلمين هو ايضا أميركي وغربي. إنها المفارقة التي تؤكد على قيمة الديمقراطية والحريات في الحضارة الغربية. لازال الصراع مفتوحا والعالم العربي سيعاني من ظروف أشد إيلاما طالما لم يكتشف طريقه نحو حرياته وحقوقه ونماذج لدولة عادلة مساءلة.

بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا