كتاب وأراء

الوظيفة : سرعة وتسّرع


في عالم بات متسارعا، البعض بدوره يعيش التسارع بأشكاله السلبية أو لنقل غير المُجدية، نريد ان نلحق بركب كل شيء حولنا بما في ذلك إطلاق الأحكام جزافاً، وان كنت أوافق البعض في مسألة الانطباع الأول الذي نأخذه عن شخص أو شيء، وقد يصيب أو يخطئ، إلا أنني بالمقابل أظن أنه من غير المنصف لأنفسنا قبل الآخر ان نؤمن بالانطباع الأول، الذي يُودي بنا للتهلكة، فهل يعد كافياً معرفة معادن الناس وأخلاقها من مجرد النظر إليهم من دون محادثتهم ومبادلتهم بالأفكار؟ وعلى أي أساس نحب أو نكره الأشخاص الذين نلتقيهم من اللقاء الأول أو النظرة الأولى؟ وهل هذه النظرة تكون دائما صائبة؟، وما الأمور التي تحدد حكمنا على الأشخاص بالارتياح أو النفور والسؤال الذي يطرح نفسه من نحن لنطلق الاحكام ونصنف أنفسنا قضاة على الآخرين.. حقا من نحن؟؟ فمن يراقب حياتنا وحراكنا الفردي والاجتماعي يجد أننا مكثرون جداً - وإلى حد الإغراق- في إطلاق الأحكام على الأشياء والأشخاص، بحق وبلا حق، وبطلب ومن غير طلب، ويبدو أنه قد تشكلت لدينا ملَكَة الحكم بطريقة انسيابية عجيبة، والسؤال: هل هذه الحال التي نحن فيها ضرورة في الإنسان ونافعة له؟ وهل الحكم على الأشياء والأشخاص ضرورة للوعي والنجاح والقرارات الصائبة؟ قد تكون هناك أجوبة ثقافية أو إدارية أو تربوية تقول: نعم، وأن الحكم من متطلبات الحياة وحركة الإنسان، لكنَّ وعياً عميقاً يفك شيفرتي الإنسان والحياة، ومن خلال تجربة روحية ينطلق فيها الإنسان من أسرار الجمال والسلام في داخله يرى فيها الوجود جميلاً، من غير أحكام أو اتخاذ موقف مع أو ضد، ليتحول الإنسان من القبض إلى البسط ومن الضيق إلى السعة، حقيقةً الغالبية لا يمكنها التخلص من الأحكام المسبقة على الناس ونمط حياتهم فهم يظنون بأنهم الأدرى وبأنهم يعرفون خفايا الأمور، وبالتالي يطلقون الأحكام جزافاً رغم أنها قد تستند على أمور سخيفة كالشكل أو طريقة الحديث، وتبقى الأحكام المسبقة مؤذية للطرفين لمن يطلقها ولمن تُطلق عليه، الشخص الذي يطلقها قد يتخذ قرارات خاطئة استناداً إلى أحكام غير واقعية، والشخص الذي تُطلق عليه سيجد نفسه مع سمعة لا علاقة له بها بل قائمة على معلومات مغلوطة، ويتخذ بعض الناس من الأحكام المسبقة على الأشخاص هواية مفضلة فيصنفونهم كما يرون ويضعونهم في أُطر جاهزة يبالغون في انتقادهم أو يصوغون انطباعات سيئة عن شخصياتـهم، والعجيب أن كثيرا من هؤلاء لا يتمتعون بسعة أفق ولا برأي سديد أو مرجعية ثقافية ولا بسلوك رشيد، يؤهلهم حتى للحكم السليم على أنفسهم، فمن يفتقد الحكمة يُطلق الأحكام الجزافية باتخاذ موقف غير متزن، أو قول كلمة غير مسؤولة، أو تصرف أرعن. ويعامل غيره على أساس أنه - متحرر أو متزمت أوجاهل أو مخالف- استنادا إلى انطباع متسرع ونظرة سطحية قاصرة، ألا يعلم هؤلاء أن إطلاق الأحكام المجحفة بحق الناس من غير تثبت هو سوء ظن بهم، وتعبير عن فكر قاصر، وسد لعجز سلوكي، وشعور بنشوة كاذبة تعيشها هذه الفئة الخاوية من الداخل، إذن هناك حاجة ملحة تدعونا إلى التروي في الحكم على ما يقابلنا أحياناً من تصرفات بعض الناس غير المألوفة أو المتوقعة منهم، سواء كانت من كبار أو صغار، فمن المعلوم أن ظروف حياة الناس ليست واحدة وقد تمر بنا - نحن البشر- مواقف نبدو فيها على غير ما نحن عليه في الحقيقة أو ما عهدنا عليه الآخرون، أخيرا إن لم يعجبك أحدهم تذكر فقط أنه ليس بالضرورة ان تكون أنت شخصيا محط إعجاب الكل، ولم يُخلق الآخرون لينالوا إعجابك فقط ـ ودمتم بود

ابتسام الحبيل