كتاب وأراء

نظرية «العزة بالإثم»

أسهب علماء النفس في دراسة العلاقة بين تأثير مواقف الإنسان على أفعاله وبين وقع أفعال الإنسان على مواقفه.
وإن أردنا تعليل السبب الذي يجعل أفعالنا تتأثر بقناعتنا، فعلينا أن ندرك أن الإنسان يعتني بشدة بنظرة الآخرين له، لذلك نجد أن كم إنفاق البشر على المظاهر يتخطى حاجز المعقول لسعي الإنسان لخلق صورة مشرفة له لإيمانه أن تحسين صورته سيهبه القبول المجتمعي ما سيمنحه معاملة أفضل، كذلك سيعضد شعوره بالرضا عن الذات.
ولحرص الفرد على عدم الظهور بصورة الشخص المهزوز، فقد يعتمد سلوكاً أو قد يجاهر بتبنيه قناعات يعلم سلفاً أنها ستخلق انطباعاً بالثقة، كما وأن لها حظوة في مجتمعه حتى لو خالف ذلك معتقداته الأصيلة، وهو ما يعرف بـ «الإدارة اللاواعية لتقديم الذات لخلق الانطباعات الحسنة».
هناك أيضاً نظرية لعالم النفس «ليون فيستنجر» تشرح أسباب ادعاء الفرد صفة ما في شخصيته، تعرف «بالتنافر الإدراكي»؛ حيث يرى «فيستنجر» أن الإنسان يصاب بتوتر حال مواجهته فكرتين متنافرتين في آنٍ واحد، ويحدث عدم الانسجام الذاتي لدى الإنسان لدى تبنى خيار تجاه موقف معين معارض لخيار آخر فيضطر لتبرير موقفه أمام نفسه بتقديم تفسير ضمني ليريح نفسه وكأنه يقدم كشف حساب ذاتياً أمام نفسه!
وقد أجرى «فيستنجر» دراسات حول التعرض الانتقائي للمعلومات، فقام بأخذ آراء عينات مختلفة من البشر حول موضوعات عامة مختلفة ثم خيرهم لاحقاً عما لو أرادوا الاطلاع على معلومات تؤكد آراءهم أم على المعلومات تخالف آراءهم، وجاءت النتيجة لتظهر أن نصف عدد العينة أرادوا الاستعلام عن المعلومات التي تعضد معتقداتهم لا التي تخالفها!
ربما فسر هذا كم المنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي؛ حيث لا ينشر المستخدمون سوى الآراء الدينية أو السياسية التي تعضد أفكارهم المسبقة.
وحينما أعربت لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأميركي (2003) عن اعتقادها بأن العراق لديه أسلحة دمار شامل، قبل قادة الحكومة الأميركية للمعلومات الداعمة لهذا الافتراض وقللوا من شأن المعلومات المتناقضة، وبالتالي اندلعت الحرب!
وبحسب مدير برنامج السياسات الدولية الأميركية، فقد حدث نوع من التشتت وعدم الارتياح للمواطن الأميركي بعيد اندلاع الحرب؛ حيث كانت الفكرة الأساسية التي تم تصديرها من الساسة أن أميركا تشن حرباً لأن صدام حسين يخبئ أسلحة دمار شامل في العراق تهدد أمن الاقتصاد العالمي.
وبحسب معهد غالوب فإن 4 من كل 5 من الأميركان كانوا يعتقدون أن القوات الأميركية ستعثر على أسلحة الدمار الشامل والنسبة نفسها ساندت قرار الغزو.
الشاهد أنه بعدما وضعت الحرب أوزارها، تأكد الأميركان أن العراق كان خالياً من أسلحة الدمار الشامل، فواجه الشعب الأميركي نفسه كما واجه تكلفة الحرب، ولتقليل حدة التوتر، قام عدد كبير من الشعب الأميركي بتصديق الاختلاق الذي تم استحداثه من قبل الحكومة الأميركية لإيجاد ذريعة جديدة للغزو.. الذي صار «تحرير شعب العراق المضطهد من حكم استبدادي ومن الإبادة الجماعية ووضع أسس جديدة لشرق أوسط أكثر سلاماً».
بعد اختلاق أسباب منطقية للحرب، ارتفع عدد المؤيدين من الأميركان لغزو العراق رغم التيقن من عدم وجود أسلحة دمار شاكل ليصل لـ 58%.
ووفقا «لكارول تافريس» فإنه حينما يقوم رئيس دولة بإقناع نفسه وتقديم التبريرات لها بأنه يحمل مقاليد الحقيقة والصواب، فإنه بذلك يمنع نفسه من أي بصيص لإمكانية تصويب أخطائه أو الاعتراف بها.
وقد وقع كل من الرئيسين جونسون وبوش في هذا المأزق، حين تمسك جونسون بموقفه المؤيد لمستنقع فيتنام وكذلك فعل جورج بوش حينما صرح عام 2005: «حتى لو كنت أعلم ما تيقنت منه الآن، فلقد كنت سأتخذ نفس قرار الغزو».
يبدو أن نظرية التنافر المعرفي تقدم تفسيراً للإقناع الذاتي، سيما لأولئك الذين تأخذهم العزة بالإثم.
كاتبة مصرية

داليا الحديدي