كتاب وأراء

خيار «الدولة الواحدة» : هل يقبل الفلسطينيون؟


أعادت رغبة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس خلط الأوراق في مسار القضية الفلسطينية، وذلك من حيث التخلي عن حل الدولتين واستبداله بحل الدولة الواحدة. وبينما يسمح الحل الأول بقيام دولة فلسطينية مستقلة، يقضى الحل الثاني بقيام دولة واحدة على أرض فلسطين التاريخية، وفيه خلاف جذري بين من ينشدونها دولة ديمقراطية علمانية يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون معا بحقوق متساوية، وبين من يرونها دولة لشعبين لا يحظى فيها الفلسطينيون بنفس حقوق الإسرائيليين.
صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين كشف عما يمكن أن تفعله السلطة الفلسطينية ردا على هذا الموقف الأميركي، وذلك في حوار أجرته معه مؤخرا قناة سي. إن. إن الأميركية، حيث قال عريقات» إن منظمة التحرير الفلسطينية ستسحب اعترافها بإسرائيل إذا تم نقل السفارة،كما ستموت الاتفاقية الموقعة مع إسرائيل (أوسلو 1993).. وسوف نذهب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ونطالب بتعليق عضوية إسرائيل إلى أن تخضع للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن. «وأضاف عريقات – فيما يعد تطورا ملفتا قد يغير مسار كل التحركات –» في ظل عدم إمكانية تحقيق حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية سوف يطالب الفلسطينيون بحقوق متساوية ومواطنة متساوية مع إسرائيل.. نظام الفصل العنصري هذا يجب أن ينتهي وسوف نحاول توفيق أوضاعنا في واقع الدولة الواحدة الذي تم خلقه بالقوة وبالمستوطنات».
خيار الدولة الواحدة الذي جاء في هذه التصريحات ليس جديدا على تاريخ القضية الفلسطينية، ولكن طرحه بالصورة التي قدمها عريقات أبعد ما يكون عن الصورة القديمة له وإن عريقات كان قد استدعى بعضا من عباراته. ويقصد بهذا الحل إقامة دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تضم اليهود والعرب كلهم يعيشون فيها على قدم المساواة دون تمييز في المعاملة أو الحقوق والواجبات، وهي دولة توصف بأنها علمانية ديمقراطية وتحمل اسم الدولة الفلسطينية الديمقراطية. وقد ظهرت هذه الفكرة بشكل واضح منذ أول يناير 1968 وتبنتها حركة المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها (ما عدا حماس بالطبع لأنها لم تكن موجودة في ذلك الوقت) عندما حددت هدف النضال الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية يعيش فيها اليهود والعرب دون تمييز وبحقوق متساوية. فما بين عامي 1948 و1968 ظل الفكر العربي يدور في حلقة مفرغة من الشعارات حول استرداد فلسطين والقضاء على إسرائيل، والمطالبة في نفس الوقت بتطبيق قرارات الأمم المتحدة التي تتضمن بالطبع الاعتراف بإسرائيل. هنا أعلنت حركة فتح تبنيها لهدف إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية ثم أيدتها كل من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية. وووفقا لفكر فتح آنذاك فإن هذه الدولة تتسم بوجود مجتمع ديمقراطي تقدمي، ودولة مفتوحة للفلسطينيين واليهود الذين يتخلون عن صهيونيتهم، وتتحقق بالكفاح المسلح.
واليوم عندما يستدعى عريقات الفكرة فإنه يعلم جيدا أنه لا إمكانية على المستوى الفكري والنظري أو الظروف الملائمة لتحقق الدولة الواحدة التي تتعامل بالمساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فلا إسرائيل دولة ديمقراطية كما تدعى ولا الأوضاع بإجمالها بقيت على حالها بل تغيرت رأسا على عقب، ولا الفلسطينيون على اتفاق حول هذه الفكرة بالنظر إلى توجهات حماس الإسلامية. ولكن ما يبرر استدعاء عريقات لفكرة كهذه هي في حوزة التاريخ فقط، هو إعادة المناقشة حول يهودية دولة إسرائيل باعتبارها العقبة الأساسية التي أعاقت حل الدولتين. إعادة المناقشة تعنى أمرين: إما أن تتوقف إسرائيل عن اعتبار كل فلسطين التاريخية أرضا يهودية (أرض الميعاد) وتحصر يهودية الدولة عند حدود 1967 فقط، بما يعنى الانسحاب وإنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، وإما الإصرار على يهودية الدولة بالمطلق فتكون هناك دولة واحدة لشعبين لا يتساوون في الحقوق والواجبات (الفصل العنصري) وهو واقع لن يقبله الفلسطينيون حتى لو وفقوا أوضاعهم عليه، وفي نفس الوقت لن تتحمل تبعاته أي حكومة إسرائيلية.

عبدالعاطي محمد