كتاب وأراء

وماذا بعد؟

زعموا أن شاعرا سيئ الحظ اصطاد سمكة ذهبية ذات مرة، فتوسلت اليه السمكة بأن يعيدها للبحر مقابل أن تحقق له كل آماله، ولم يتردد الشاعر في إعادتها للماء، إذ كان سعيدا بهذا العرض الذي لم يحلم به في حياته، ونفذت السمكة وعدها، إذ توالت النجاحات فورا على الشاعر، طبعت أشعاره عدة مرات، وأصبح له منزلان فخمان بدل الكوخ الذي كان يعيش فيه، منزل في الريف ومنزل في المدينة، أصبح مشهورا بين ليلة وضحاها، وبات اسمه يتردد على كل الالسنة، كما صار غنيا، غنيا بشكل فاحش، وحصل على ألقاب كثيرة، وأوسمة اكثر، وكلفوه بأكثر من منصب، يقبض منها مبالغ خيالية دون ان يفعل شيئا، وفي يوم من الايام باغتته زوجته التي تعرف قدراته ونقاط ضعفه أكثر من غيرها بسؤال غاب عن باله: «لماذا لم تطلب من السمكة الذهبية أن تهب لك قليلا من العبقرية؟ وهنا أدرك الشاعر ما ينقصه حقا، وظل يفكر ويفكر.. ثم لم يطق صبرا وهرع إلى البحر ونادى السمكة: «أيتها السمكة الصغيرة الجميلة! هبي لي ولو شيئا قليلا من العبقرية.. أخرجت السمكة رأسها من الماء وقالت له: «وهبت لك كل شيء.. كل ما اشتهته نفسك.. وكل ما سوف تشتهيه يمكن أن أهبه لك.. أما العبقرية فلا.. لا أستطيع.. أنا نفسي لا املك منها شيئا.. لا يستطيع أحد أن يهب لك العبقرية أو ينتزعها منك، إنها تولد مع الإنسان أو لا تولد، وحده رب العالمين من يمنح هذه الهبة» وأدرك الشاعر حينها انه مزيف.. وإن كان مشهورا. أنه عاطل وعالة على المجتمع وان كان موظفا في أكثر من وزارة واكثر من هيئة.. ومع ذلك لم يمنعه هذا الادراك وهذا الفهم من الاستمتاع بالمكاسب التي حصل عليها. ولم تحد الحقيقة التي يعرفها من تبجحه وادعائه.. وحدهم الموهوبون حقا من يستغربون ويندهشون ويتساءلون عما اذا كانوا يستحقون نتيجة جهدهم ام لا؟ عندما كان عازف الكمان الاسباني المشهور «ساراسيت» في قمة مجده كتب عنه أحد النقاد مقالا وصفه فيه بأنه عبقري.. فلما قرأ الفنان الكبير ذلك المقال هز رأسه مستنكرا وقال: «عبقري! ياله من أحمق.. لقد قضيت سبعا وثلاثين سنة أتدرب على العزف أربع عشرة ساعة كل يوم، والآن يقول عني أنني عبقري، إن الله قد وهب كل إنسان موهبة ما.. سواء كانت العقل الراجح، والشخصية الجذابة، أو الخيال الخصب، أو القدرة على العمل اليدوي.. ولكن أيا كانت موهبة الإنسان فإن واجبه يقتضيه أن ينميها بالمران الدائب والجهد المتواصل، والا ظلت الموهبة مغمورة لا يعلم بها أو يستفيد منها أحد»، وكان أديب روسيا العظيم «تولستوي» يردد دائما للمادحين والمعجبين هذه الكلمات: «ماذا لو أن شهرتي فاقت شهرة بوشكين أو جوجول أو شكسبير أو موليير أو كُتاب العالم أجمع؟ ماذا بعد هذا؟ ولم أصل إلى جواب، إن مثل هذه الاسئلة لن تتطلب جوابا عاجلا وحاسما.. وبغير جواب يستحيل على المرء ان يعيش، ولكني لو فاقت شهرتي شهرة هؤلاء جميعا، سأسأل نفسي دائما.. ماذا بعد؟ هذا هو المهم.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري