كتاب وأراء

روسيا وصلف الاستعمار الجديد

تمثل روسيا اليوم النجم الصاعد للظاهرة الاستعمارية الجديدة في المنطقة العربية خلال المرحلة ما بعد إمبريالية. اليوم استفاقت روسيا بوتين على تغول الامبراطوريات المنافسة وعلى رأسها الامبراطورية الأميركية مستفيدة من سقوط الاتحاد السوفياتي ومن دخول روسيا مرحلة انكماش تاريخي خلال العقد الماضي. كانت الثورة السورية منعرجا حاسما في تاريخ الصراع مع الاستبداد داخل المنطقة العربية وكانت الثورة المسلحة التي فرضها النظام على شعبه تأكيدا آخر على بشاعة النظام الاستبدادي وأنه قادر على الذهاب إلى أبعد حدود التوحش من أجل الحفاظ على كرسيه.
دخلت روسيا الساحة السورية بعد أن أدركت أن حليفها الاستراتيجي أو بتعبير أدق أن وكيلها الاستعماري ساقط لا محالة مستعملة كل الأسلحة المحرمة دوليا من أجل إرهاب الشعب وإطالة عمر النظام. التدخل العسكري الروسي لم يكن يهدف في الحقيقة إلا إلى الحفاظ على النظام وانقاذه من السقوط من أجل الابقاء على المصالح الروسية في سوريا بما هي مجموع صفقات التسليح ومجموع القواعد العسكرية الروسية وعلى رأسها قاعدة طرطوس البحرية إضافة إلى الممرات البحرية والبرية التي تشكلها سوريا لصالح القوة الروسية.
لكن من ناحية أخرى هل يمكن لروسيا أن تكتفي بالقوة العسكرية دون غيرها من الأذرع الضاربة ؟ صحيح أن القوة الروسية لا تتمثل في غير أنواع الأسلحة التي تقدمها خاصة لمختلف الأنظمة الاستبدادية والقمعية العربية والشرقية بصورة عامة وهي بذلك تتخلف عن الولايات المتحدة الأميركية التي طورت منذ عقود كثيرة أشكالا جديدة للقوة الناعمة.
روسيا لا تملك ما يمكنها أن تتحول به إلى قوة إمبراطورية إمبريالية عالمية تنافس الصين أو الولايات المتحدة خاصة على مستوى القدرة الصناعية أو التكنولوجية لهذا تستنفد كل طاقتها في المجال العسكري بشكل غليظ وفج لا يمنعها من استعداء الشعوب واجهاض حلمهم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
الحديث عن الحرب على الإرهاب ومقاومة الجماعات الإرهابية المسلحة هي حيلة لم تعد تنطلي على أحد بل لم يعد يصدقها حتى الروس أنفسهم. قبلها تحدثت الولايات المتحدة الأميركية عن نشر الحرية والديمقراطية في العراق وكانت ذريعة المستعمر لاحتلال البلد وتدميره وقتل أكثر من مليون من شعبه والرمي به في أتون الصراعات الطائفية التي لا تكاد تنتهي. لكن من جهة اخرى هل يمكن لروسيا ولاقتصادها الهش الصمود أمام النزيف المالي والبشري لتكلفة الحرب في سوريا ؟ ألا تمثل الحرب في سوريا فخا نصب بإحكام للروس من أجل استنزافهم كما حدث لهم قبل ذلك في الشيشان وفي أفغانستان ؟
الثابت هو أن المنطقة المشرقية قادمة على تغيرات سريعة متسارعة وهي ستبقى لعقود ساحة للصراعات الدولية ولتنافس القوى الاقليمية والامبراطوريات الاستعمارية التي تسعى دائما لاستغلال كل أشكال التحول السياسي من أجل المحافظة على مصالحها الاستراتيجية ومجالها الحيوي المباشر ولو على حساب الشعوب و الأمم.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد