كتاب وأراء

الرسالة المهملة

كان الفنان الفرنسي الكوميدي «موليير» يعيش في القرن السابع عشر، وفي تلك الفترة كان الطب متخلفاً جداً، وكان الأطباء يتقاضون أجوراً باهظة، ويصفون أدوية معقدة وغالية الثمن، حتى يكاد ذوو المريض أو المريض نفسه يبيع كل ما يملك لشراء هذه الأدوية التي لا تجدي نفعاً، وبالإضافة إلى جشعهم كانوا يسيطرون على عقول الناس بما يتظاهرون به من علم، ويصرون على التحدث باللغة اللاتينية ليضفوا على أنفسهم المزيد من الغموض، ومن جراء استخفافهم بالمهنة التي يمارسونها والعلاج الخاطئ الذي يصفونه مات الكثيرون، ومن ضمنهم أطفال الفنان موليير، ولذلك شن حملة عنيفة ضدهم بواسطه قلمه، وسانده الملك لويس الرابع عشر الذي عانى هو أيضاً من تشخيصاتهم الخاطئة، وكانت أول مسرحية كتبها في خمسة أيام وبإيعاز من الملك هي «الحب خير طبيب» وتم عرضها في قصر فرساي بحضور الملك الذي ضحك من قلبه، ثم لاقت إقبالاً شديداً من الجمهور حين عرضت في مسرح عام، وتحكي المسرحية قصة مريضة تم استدعاء أربعة أطباء لفحصها، واختلى هؤلاء الأربعة بعد معاينتها للمداولة، لكنهم في اجتماعهم نسوا السبب الأصلي للاجتماع، وتفرغوا لمناقشة حياتهم الخاصة، واضطر والد المريضة لمقاطعة هذا الاجتماع، ومطالبتهم بتشخيص حالة ابنته، ومن ثم علاجها، وهنا تذكر الأطباء سبب وجودهم وعادوا يتناقشون في الحالة المسجاة في الغرفة الأخرى، وصف أحدهم حقنة شرجية، لكن الفكرة لم تجد ترحيباً لدى الثلاثة الباقين، وطال النقاش دون أن يتوصلوا لقرار، ثم حدث حادث عجيب، لقد نهضت الفتاة التي حظيت طوال رقدتها بأحبائها فجأة سليمة معافاة، وثار غضب الأطباء، فهذه إهانة لهم، إهانة لا تُحتمل ولا يمكن قبولها، حتى أن أحدهم صرخ قائلاً: «من الخير أن تموت هذه المريضة، طبقاً للقواعد الطبية، من أن تعيش ويتم شفاؤها بما يخالف هذه القواعد»، ومع ذلك كان «موليير» على علاقة طيبة مع طبيبه الخاص، فعلى حد قوله: «هو يصف لي الأدوية المناسبة، وأنا أمتنع عن تناول هذه الأدوية.. فأحصل على الشفاء»، وإن لم يمنعه ذلك من مواصلة السخرية من الأطباء الجشعين الذين نسوا أو تناسوا أن مهنة الطب هدفها إنقاذ الأرواح لا إتعاسها وموتها؛ إذ كتب عدة مسرحيات تكشف زيفهم وجشعهم مثل «طبيب رغم أنفه» و«طبيب الوهم»، فأضحك الناس عليهم، وهذا ما دفع الأطباء إلى التكاتف ضده وتركه يموت وهو في الواحدة والخمسين من عمره بالالتهاب الرئوي دون أن يقدموا له علاجاً فعالاً.. وذلك عقاباً له على جعلهم سخرية في نظر الناس.. ومن المؤكد أن الطب تقدم كثيراً عن تلك الأيام، لكن نسبة كبيرة من ممارسي هذه المهنة لم يتغيروا كثيراً؛ يفحصونك على عجل، ويشخصون الحالة على عجل، ويصرفونك على عجل، ليستقبلوا أكبر عدد ممكن من المرضى، ويربحوا أكثر وأكثر.. لقد سمعت أحدهم يقول: «كنت أنوي دراسة الهندسة، ثم اكتشفت أن الطب مكسبه أكبر فدرست الطب».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري