كتاب وأراء

الخاسر الرابح

تجادل الصدق والكذب كما جاء في «الأساطير الروسية» على أي منهما أكثر نفعا وأكثر ضرورة وأشد قوة في الحياة، الصدق يقول: أنا. والكذب يقول: أنا.. والصراع لا ينتهي.. وفي يوم من الأيام قرر الاثنان أن يذهبا إلى الناس ليحصلوا على جواب قاطع، الكذب ركض على طول الدروب الضيقة المتعرجة، ونظر في كل شق، وشم كل ثقب، ودار في كل منعطف، في حين مشى الصدق رافع الرأس في الطرق العريضة المستقيمة، وضحك الكذب طوال الوقت، وبقى الصدق مفكرا وحزينا، وهكذا زارا كل الطرق والمدن والقرى، ذهبا إلى الملوك والشعراء والبائعين والتجار والعرافين والناس البسطاء، وكان واضحا ان كل الناس صغارا وكبارا يشعرون بالحرية والمرح والراحة إذا ظهر الكذب، وينظر بعضهم إلى بعض وهم يضحكون، وفي الوقت نفسه يمارسون الخداع والغش بينهم دون حرج، فإذا ظهر الصدق اغبرت وجوه الناس، وخفضوا أبصارهم، وطاش صوابهم وتعاركوا مع بعضهم البعض لأوهى الاسباب، وقال أكثر الناس كذبا ونفاقا للكذب: «لا تتركنا، انت خير الاصدقاء. معك نستطيع أن نعيش في سهولة ويسر، أما أنت أيها الصدق فلست تحمل الينا سوى القلق، انت تجبرنا على التفكير والعذاب والنزاع، كم من المحاربين الشباب ماتوا من اجلك، وكم من علاقات وبيوت تدمرت بسببك؟ ألا يكفيك ذلك؟ وعندئذ قال الكذب للصدق وهو يختال فرحا: «ها أنت رأيت وعرفت الحقيقة.. إنني مرحب بي أينما ذهبت..أما انت فمكروه حتى النخاع...لا أنكر هذا».
قال الصدق: «لقد زرنا بيوتا كثيرة مأهولة، هيا الآن لنزور القمم، تعال نسأل الينابيع الباردة الصافية، تعال نسأل الازهار التي تتفتح في مرتفعات الجبال، تعال نسأل الثلج الذي يتوهج بالبياض الناصع الذي لا يزول، الألوف المؤلفة تعيش في القمم، المآثر الخالدة السامية للانبياء والابطال والشجعان والشعراء والحكماء تحيا هناك، وتحيا كذلك أفكارهم ومبادئهم وأغانيهم، ان كل ما هو خالد لا يخشى ما في الارض من اضطراب يعيش في القمم» لكن الكذب رفض أن يتزحزح من مكانه، فعاد الصدق يكرر المحاولة: «ولم تخاف الأعالي؟ أنظر.. الغربان وحدها تعيش في الحفر، أما النسور فإنها ترقى فوق قمم الجبال، أتحسب كونك غرابا يليق بك أكثر من أن تكون نسرا؟ هل أنت خائف؟ رد الكذب ساخرا: «لا لست خائفا ولا أخشى القمم، إذ ليس لي فيها عمل، لا يوجد أحد هناك، مملكتي هنا تحت، حيث يعيش الناس، أنا أسيطر عليهم من دون منازع، إنهم كلهم أتباعي ورعيتي، بعض أصحاب المبادئ الشجعان يجرؤون وحدهم على عصياني، ويتكلمون بصوتك، صوت الحق، ولكن هؤلاء الناس يعدون على أصابع اليد الواحدة...
تنهد الصدق قبل ان يختم جدلا طال: «حقا انهم يعدون على أصابع اليد، ولكن الناس يدعونهم أبطالا.. والابطال الصادقون الشرفاء لا تنتهي حياتهم بموتهم.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري