كتاب وأراء

هل تعرفون أنفسكم؟

من يستطيع أن يجيب على هذا السؤال في ثلاث ثوان فقط تعادل حروف نعم الثلاثة؟!
. أكاد أجزم ان أغلبنا توقف ليفكر مدة دقيقة أو أكثر ليحدد اجابته...ربما أجاب أحدنا بثقة... وأجاب آخر بثقة يشوبها الشك...وثالثٌ نكس رأسه ومضى دون أن يفكر بالسؤال الذي يبدو له عقيماً..عميقاً أكثر مما ينبغي. وبصيغة اخرى نعيد السؤال هل تستطيعون رؤية جمال انفسكم، او قبحها؟ وهل يعني ذلك لكم شيئا؟
يقال في الأثر أن الإنسان حجة نفسه، ومن المفترض أن تكون فطرتنا السليمة هي مرآة أنفسنا التي نرى من خلالها حقيقتها...الحقيقة التي قد تنطوي، وقد تنزوي وقد تنجلى تبعاً لصفاء هذه المرآة، واستقامتها. المرآة التي تجعلنا نخاف ونقلق حين نخطئ...ونفرح، ونطمئن حين نصيب.
في عصرنا هذا كثيرة هي التشوهات الفطرية، وكثيرة هي الوسائل، والمبررات التي تمنحنا القدرة على الازدواجية، والخداع...حتى خداع انفسنا.الخداع الذي أصبح صنعة متقنة للداخل، والخارج...لقد أصبح هناك ماكياج، وبوتكس، وفيلر وغيرها... لكل شيء حتى نفوسنا.
مع انهيار مخيف للكثير من القيم، والمبادئ، والأخلاقيات التي كانت تميز مجتمعاتنا العربية على الأقل وتحفظ فطرتها سليمة. وما من شيء أصبحنا نتقنه قدر لعبة الأقنعة، والنفوس المتعددة لذلك لم يعد غريباً أن نرى شخصاً ما يبدو بصفات أقرب للكمال عبر تويتر، أو الفيس بوك، وبصفات أقرب للشياطين في حياته الخاصة. السؤال الذي يحضرنا هنا هو كيف يرى هؤلاء أنفسهم؟ بالوجه الملائكي الجميل،أم بالوجه الشيطاني القبيح؟ وهل هم سعداء بذلك؟ ألا تبدو هذه الازدواجية مرهقة حد التعاسة،موجعة لما تبقى من فطرة سليمة؟ مدمرة للكثير من القيم والأخلاق.
رغم كل شيء يستطيع الإنسان أن يرى نفسه كما هي بقبحها، وجمالها...بخيرها وشرها في وقفة صادقة مع النفس يمسح بها كل ما تراكم من غبار على فطرته السليمة.لكن تيار الحياة المعاصر المحمل بكل ما قد يسلبنا إرادتنا، وكل ما يغرينا لكي نلهث خلفه سرق منا هذه الرغبة على زعم أن هذه الأشياء هي ما ستمنحنا السعادة السريعة.وأن لعبة الأقنعة، والتجميل الخادع الذي يتماشى مع أمزجتنا البشرية القاصرة أصبح أسهل بكثير من مواجهة أنفسنا، وإصلاح عيوبها،إنها التجارة الرائدة، واستثمار العصر الحديث. ثم بعد هذا نعود لنسال لماذا لا نشعر بالسعادة الحقيقية؟،لماذا تغدو كل المتع التي نعيشها مجرد نكهات وقتية؟حتى ذكرياتها المصورة ربما لا تحرك فينا أي شعور بالبهجة رغم كل ما انفقنا عليها، ولماذا يصبح كل هذا الجمال مكرراً،مستهلكا بلا رائحة أو طعم، ويصبح هذا الإنسان كمن يشرب من البحر كلما شرب ازداد عطشاً،فازداد قبحا.
يقول العلامة النابلسي: يستطيع إنسان ما أن يخدع كل الناس لبعض الوقت، ويخدع بعض الناس لكل الوقت،لكنه لا يستطيع أن يخدع كل الناس لكل الوقت.
بقلم : مها محمد

مها محمد