كتاب وأراء

قطط وعصافير لتخفيف صدمة الطلاق

كنت أحاول تفسير ظاهرة المحلات التي تعددت في القاهرة وتبيع أحواض السمك الملون والقطط والكلاب، ثم تسربت هذه التجارة إلى الفيسبوك، وأحيانا إلى صفحات الإعلانات المبوبة بصحف يومية، وزاد الفضول بهذا الصدد حينما كشف صديق كنت أتجاذب معه أطراف الحديث، أن وراء ثراء وانتعاش هذه التجارة، أناس يشعرون بآلام الوحدة، وتتفاقم أحوالهم بسبب الطلاق على وجه الخصوص، ثم راح يسرد لي حطام الطلاق مقدرا بركام رقمي مخيف، يقول إنه صار يوجد في مصر ما يزيد على ثلاثة ملايين مطلقة، وأنه تحدث حالة طلاق كل ست دقائق، وأن معدلات الطلاق في مصر تزيد على 40 % من حالات الزواج، وهي بذلك من أعلى المعدلات في العالم، ومما يؤسف له أن نسبة ليست قليلة من حالات الطلاق هي طلاق مبكر، أي بعد زمن قصير من الزواج، وهو ما يسميه البعض «الهجر المفاجئ» بكل ما يترتب عليه من شعور بالضيم أو الظلم أو الندم على خيار الزواج أو شعور بالخوف من الغد، وأن بعض المطلقين من الجنسين يعزف عن الزواج ثانية بعد تجربته الفاشلة، إذ إن مرارة التجربة تجعل البعض يطوي صفحة الزواج حتى النهاية، وكأنه يعلق على صدره لافتة تعلن أن أبواب القلب موصدة إلى أجل غير مسمى، ومثل هؤلاء يعانون من وحدة عاطفية واجتماعية تكون بشعة التأثير، وإن عاشوا في وعاء أسري بديل يحتويهم، إلا أن الوحدة لا تعني بالضرورة عزلة عن الناس، بل يتفاقم الشعور بالوحدة والتجوّفِ الداخلي متى افتقد احد الطرفين أو كل منهما للأمان، حتى وإن كانوا في أسرة، ولهذا يلجأ بعض المطلقين، من الجنسين، إلى حيازة كائن آخر بديل يغدق عليه اهتماماً وعناية، أو يبدد به الشعور بالوحدة، كأن يربي كلباً أو أسماكاً ملونة أو عصافير ملونة أو ببغاوات أو قطة.
الغريب في أمر شيوع الطلاق أنه بمثابة ثقب في اقتصاد أي مجتمع تتسرب منه وتهدر الطاقات والإمكانات، فما بالك لو كانت الغالبية في المجتمع بالأصل صارت من الفقراء تحت ضغط الارتفاع الجنوني في الأسعار، وبعد انحسار الطبقة الوسطى، ومع ذلك فلم يردع الفقر الطلاق أو يقلل من معدلاته المجنونة.
والغريب في الأمر أيضاً أن تجارة هذه الكائنات ليست رخيصة فقد صار سعر عصفور ملون بعشرات الجنيهات بعد أن كان بقروش، غير أن صدمة الطلاق وتوابعها ليست السبب الوحيد لحيازة البعض أياً من هذه الكائنات لتبديد وحدتهم بها، ولكن فقد شريك الحياة أو الترمل أو الإحالة إلى المعاش أسباب اخرى، وهو ما يمكن ملاحظته في بعض الشوارع الأرستقراطية بالقاهرة، حيث تجد بعض كبار السن من الجنسين يصطحبون كلاباً في صباح باكر، وأغلب الظن أن وراء كل منهم فراغاً عاطفياً كبيراً، وشعوراً عميقاً بالوحدة أو الافتقاد إلى شريك حياة، فمصائب قوم، تكون عند الكلاب والقطط والعصافير الملونة والببغاوات فوائد.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي