كتاب وأراء

الفهم الخاطئ

عندما يسألونك من أنت، تستطيع أن تبرز الوثيقة، أو البطاقة.. أو جواز السفر، ففيه كل المعلومات الاساسية عنك، أما إذا سألوا شعبا من أنت؟ فإنه سيقدم علماءه، وكتابه، وفنانيه، وموسيقييه، ورجاله السياسيين وقادته العسكريين كوثائق، أي ثروته الثقافية في كل المجالات، كما قال الكاتب الروسي «رسول حمزاتوف»، وكما أساء الناس فهم الديمقراطية، وظنوا ان المساواة القانونية تلغي جميع الفوارق الطبقية، المتعلم يتساوى مع الجاهل، الصغير يتساوى مع الكبير، والعاطل يتساوى مع العامل، وان الثورة على المستبد معناها الثورة على تراث وعظمة الإنسانية، أساؤوا فهم مصطلح الثقافة وبات الجميع يسارع في الاتهام بدل الفهم.. إن طرق تشويه الثورة الثقافية كثيرة كما قال الاديب والمفكر «يوسف زيدان» وأولاها تشويه المصطلح في أذهان الناس الذي زرع الاعلام في أذهانهم، ان الثورة الثقافية هي ما جرى في الصين على يد الزعيم الشيوعي «ماوتسي تونج»، وما جرى في إيران على يد الإمام الشيعي «الخوميني»، وبهذا ترتبط الثورات بعكس ما هو ثورات ثقافية فعلا.. ولنعود إلى ما جرى في الصين، ففي عام 1966 بدأت الحركة التي اطلق عليها الاعلام «ثورة ثقافية» حين أعلن ماوتسي تونج عن بدء حركة فكرية ضد الافكار القديمة التي يمثلها الحكيم الصيني القديم «كونفشيوس»، لكن هذا الزعم العريض لم يكن هو الحقيقة، فقد كان «ماوتسي» يغار غيرة شديد من رجل مات منذ مئات السنين، ويشكو من أنهم في الصين، بحسب تعبيره الذي أسر به إلى المثقف الفرنسي «اندريه مالرو»: ما عادوا يسمعون كلامي. ولكي يجبر الصينيين على الإصغاء اليه نسف تراثهم الاخلاقي المستمد من حكيم يعتزون بحكمته، وكان هدفه الاصلي هو القضاء على كل من يعارضونه- ممن أطلق عليهم «ممثلي البرجوازية»، وتحت هذا المسمى قام بتعذيب ملايين الناس، وقتل مئات الألوف، وأغلق الجامعات، حتى وصلت الصين على شفا حرب أهلية بعد عامين فقط من الثورة المزعومة، ولذلك أصبت بالدهشة حين قرأت مقالا قديما للأديب الراحل «يوسف أدريس» عبر فيه عن إعجابه بـ«ماوتسي تونج» وذكر فيه أنه يعتبره أستاذه «وما زلت أدهش كلما سمعت مثقفا معروفا أو غير معروف يمجد «ديكتاتور» ويروج لبضاعة فاسدة، في الغالب عن اقتناع، وعلى النسق السابق، وتحت زعم «الثورة الثقافية» أيضا، قتل الخوميني ورجاله الأقربون «الملالي» ما لا حصر له من صفوة المجتمع الإيراني، فكان الضحايا من الكثيرة بحيث بلغ عددهم عشرات الآلاف، ولما كثر القتل والفتك قيل للملالي والخوميني إن القتلى باسم الثورة كثر عددهم جدا، ومن المحتمل أن يكون كثير منهم أبرياء، فجاء الرد القاطع العجيب على لسان المسؤول عن المحاكمات الثورية: بتوجيه من القائد المبجل «إن كان هؤلاء القتلى مذنبين فقد نالوا عقابهم، وان كانوا أبرياء فسوف يدخلون الجنة»، وهكذا كانت كلتا الثورتين مهلكة ومعاكسة لمعناها، مما أدى إلى تشويه المصطلح ذاته، فلم يعد التعبير جذابا في أذهان الناس، وأساسا ما حدث في الصين وإيران لم يكن أصلا ثورة ثقافية، أو غير ثقافية، لأن الثورة لا يقوم بها شخص واحد أو مجموعة قليلة العدد، وإنما تقوم بها قاعدة عريضة من البشر استجابة لدعوة شخص أو مجموعة قليلة العدد، ولا يصح أن يدعو اليها المتربع على السلطة فعلا، لانها تقوم أساسا لإزاحة سلطة قائمة بالفعل - سياسية أو فكرية أو أقتصادية! أي انها ثورة خاصة وثروة خاصة.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري