كتاب وأراء

نظام التعليم الذي يجب أن يُحرق

في رواية «السُحب» وهي من أروع روايات الكوميديا النقدية لاريستو فانيس أحد كتاب الكوميديا الساخرة في اليونان القديمة، يسخر وينتقد الفساد الاخلاقي والاجتماعي في المجتمع الاثيني، يصل إلى نتيجة هامة وهي أن فساد التعليم وراء كل فساد يظهر في المجتمع، ويحكي قصة أسرة تسيء تربية ابنها الوحيد بكثرة تدليله مما جعله يستهتر بالحياة إلى درجة أن يوقع الاسرة في ديون تعجز معها عن السداد والايفاء بها، فتلجأ الاسرة إلى النظام التعليمي الذي كان سائدا في حينه وهو النظام السفسطائي القائم على قلب الجدل والمقدرة على الايهام بأنه لا يوجد شيء ثابت، وإن مقياس الاشياء هو الفرد، ليتمكن الولد من الخلاص أمام المحكمة من ديونه. وبالفعل ينجح في التنصل من التهمة التي وجهت اليه. بعد ذلك يبدأ الولد في الاساءة إلى والديه وضربهما فيشكوانه إلى المحكمة فينجح في التنصل من هذه التهمة كذلك عن طريق إثبات انهما سبب فشله لأنهما أساءا تربيته. وقال إنه يجب أن يؤدبهما حتى يقومان بتأديبه وحسن تربيته، بعد ذلك يقوم الأب ومعه كل عجائز أثينا بإشعال المشاعل والذهاب إلى المدرسة لإحراقها والتخلص من هذا النظام التعليمي الذي أوجد تبريرا لكل فساد فتغطي السحب سماء أثينا كلها. هذه القصة تدل على أهمية دور النظام التعليمي في كل مجتمع وإنه يتحمل المسؤولية الأولى ليس فقط في تطور المجتمع وإنما في تزويده بأخلاقيات التربية التي لا تحدث انشقاقا نفسيا بين ما يلقن وبين ما يُمارس في الواقع.
تجاربنا العربية التعليمية جميعها فاشلة مع الاستثناء في النسبة من بلد إلى آخر، كل ما على الطالب بعد تخرجه هو أن ينضوي ضمن النظام الاجتماعي السائد، وأن يبحث على مكان له فيه، فيصبح كل ما تعلمه لا يتعدى كونه سفسطة سلبية تنتج نفاقا وتورية، تؤدي أو تقوم بإقناعه بأنه ليس هناك ما يمكن ان يقوم به سوى الانضواء ضمن ما هو قائم، هذه النظرة الميتافيزيقية الدينية للنظام التعليمي بالضبط هي كمن يولد وهي يمتلك الحقيقة وما عليه سوى الاتباع، في رواية السحب أراد أهل أثينا التخلص من النظام التعليمي الذي لا يرسي مكانا للحقيقة الاجتماعية التربوية الاخلاقية، وفي انظمتنا التعليمية، الحقيقة الاجتماعية والسياسية والدينية مكتملة مسبقا وقبل كل نظام تعليمي تضعه الدولة، فكل ما يتعلمه المبتعث سفسطة غير مكتملة وانما تتوقف عند حدود الواقع ولا تعمل على نفيه لاسلبا ولا ايجابا، في رواية السحب، حرق اهل اثينا المدرسة التي لجأوا اليها لتعليم ابنائهم كيفية الخلاص من قيود القانون ونسوا أن هذه الطريقة قد تنقلب عليهم كما حصل تماما في الرواية، النظام التعليمي يقوم على حقيقة ان المجتمعات ليست مكتملة وتبحث دائما عن الكمال، لذلك نرى في جميع دول العالم بما فيها اكثر الدول تقدما كأميركا والسويد والغرب عموما، الرئيس أو المسؤول هناك يتعلم يوميا ويناقش الطلبة ويسألونه ولا يستطيع أن يجيب ويعدهم بأنه سيبحث عن الجواب، ليس هناك فكر لكل سؤال جواب ولا لكل منبر خطاب، هناك تداول وبحث واستقصاء ونسبية يمثل ذروتها الرئيس أو الحاكم، هذا هو المدخل للنظام التعليمي التفاعلي الذي لا يتحول إلى شهادة على الحائط حيث المجتمع يتطلب وسائل اخرى تليق بثباته وحقيقته الاجتماعية الثابتة، اليوم المواطن العربي يريد التخلص من انظمته التعليمية التي انتجت نفاقا لم يعد يحتمله. العلاج ليس في السفسطة كالتي عانى منها أهل أثينا القديمة، ولا بالثبات المذموم والحقيقة المطلقة التي تعيشها بلداننا، التعليم حالة ديناميكية تعمل في أفق مفتوح وحرية مستمرة تنتج مثقفا منفتحا لا يحده أفق وانما في حالة بحث مستمر عن الجديد الذي يعمق إنسانيته ووجوده، ما تعانيه المنطقة اليوم هي آثار نظام التعليم الذي قام على امتلاك الحقائق، فيذهب الطالب إلى أقصى الدنيا ليتعلم ثم يعود ليصطدم بأن الحقيقة التاريخية والدينية والاجتماعية موجودة حيث كان اصلا، فيصبح أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستغناء عما تعلمه وايجاد طريقة للانضواء، وإما الهجرة إلى الخارج أو الهجرة إلى داخله النفسي القائم في ذاته انعزالا واتعادا وربما في حالات متقدمة التحاقا بما يمثل له انفتاحا في الافق واتساعا في الرؤية ليس فقط في عالمنا المعاش وانما حتى في عوالم أخرى وراء ذلك، ليس لدينا سياسة لأنه ليس لدينا تعليم، فيلجأ الطالب إلى الايديولوجيا الحارقة لأن التعليم اذا فقد قدرته على التغيير انتفى وبقيت الايديولوجيا وحدها في الميدان. انظمتنا التعليمية أحرى بها أن تُحرق، كما حرق أهل اثينا مدرستهم التي أقاموها لتخلصهم من أزماتهم «بالفهلوة» دون وجه حق وقانون، ونسوا أن الامر قد يصل اليهم فيحدث الانقلاب على الأصل..

بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر