كتاب وأراء

سأحدثكم عن الأكل

قبل أن أبدأ إليكم هذا الترتيب العالمي في السمنة.
الكويت الأولى.
الإمارات الثانية.
السعودية الثالثة.
قطر الرابعة.
باقي دول العالم كلها خلفنا في الترتيب.
اللهم لك الحمد، أخيرا أحرزنا المراكز الأولى في شيء، ولو كان في الشحم.
البعض يأكل ليعيش والبعض الآخر يعيش ليأكل.
البعض عنده الأكل عنوان السعادة في الدنيا فإن حضرت الوجبة التي يحبها، لن يثنيه عنها مال الأرض، أو وصية دكتور، أو نصيحة حكيم، أو بكاء طفله المريض، أو نداء أمه العجوز.
كان لي صديق من أصحاب الكروش، الذين اكتسبوا الكرش باستحقاق، جلست معه في مطعم قدورة البحري في القاهرة، وكان هو زعيم العزومة ووزير ماليتها، فطلب ما فتح الله عليه من الأكل البحري، حتى ملأ الطاولة عن آخرها، ثم نسي أن يسمي وأكل، بل نسي أن يقول لي تفضل، ولكنه تذكر التسمية وتذكرني في اللقمة العاشرة.
كان يأكل بصوت هنهنات وهمهمات، كأنه يقبل زوجته بعد فراق، ثم تحول إلى الافتراس، فكنت اسمع خشخشة الأكل بين أسنانه كأنها خشخشة أسنان تمساح.
اقسم لكم، أنه غاب عن الوعي تماما، فلا يدري أني أنا موجود، أو أن هناك أحدا في المطعم، أو أننا في القاهرة أو في مكان آخر، تماهى وانسجم مع الأكل حتى ذاب فيه وحل عليه، وما عاد لي صاحبي حتى نهاية اللقمة الأخيرة.
في تمام الساعة السابعة صباحا، كنت في مطعم شعبي فطلبت صحن مسبحة سورية مع منافعها.
منافعها البصل والجرجير والمخللات وخلافه.
أفطرت الساعة السابعة كما قلت، وبقيت حتى الساعة الخامسة عصرا وأنا متخم شبعان كأن معدتي لا يزال فيها تيس يثغي.
تغديت كنوع من الاتيكيت أو العادة التي لا أريد كسرها وليس لجوع أبدا، لذلك فقد أسميت المسبحة الأكلة الإسمنتية، التي تدخل في معدتك كأنك قد أكلت نصف كيلو أسمنت مسلح، وبناء عليه، ستنتظر طويلا حتى تطحن معدتك هذا المسلح.
تذكرت كلام الأخوة المصريين في أفلامهم عن الفول وأفعاله، وأنه وجبة الفقراء التي لا تهضم، وأن من يفطر الفول على الصباح يقفلها إلى الليل بطعمية أو بيض.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه.
ويقول الطبيب العربي الحارث بن كلدة:
الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل جسم ما اعتاد.
بقلم : بن سيف

بن سيف