كتاب وأراء

الحرب : كلمات رديئة

يفتتح الشاعر العراقي: ميثم راضي، الكتابة/الكلام، في ديوانه كلمات رديئة، الصادر عن منشورات المتوسط لسنة 2015، بقصيدة «تلعثم»، وكأنها اعتذار، كأنها تبرير أولي، مثل من يُقدم على مغامرة خطيرة ويخاف من الفشل، ليس لأنه يشك في موهبته، لكن لأن الموضوع الذي اختاره لمجمل قصائده «الحرب» يلامسه شخصيا، يعيشه، يلتصق به، يشعر به للدرجة التي يصبح من المربك أخلاقيا عندما تكون الذات بهذا القرب من الموضوع، ان يفصل بينهما. لكننا، بدورنا، نكتشف، بتوالي القراءة التي تخطف الأنفاس، أنه لا يفتقر إلى مثل هذه القوة الفنية عندما يكتب في هذه المنطقة الملتبسة جدا للدرجة التي ينعدم معها أي حياد، يقول في قصيدة: تلعثم
«تُحاول الكلام..
مثل طفل لم يعرف ناراً أكبر من عود ثقاب.
وعليه الآن..
أن يصف غابة كاملة تحترق»
الغابة بكاملها تحترق تحت قدميه، غابته الخاصة، أشجاره، وعليه أن يكون مستعدا لوصفها دون أن يحترق بجمر الأحكام، والموعظة، و..نجح.
نجح، إذ لم يكن متلعثما ولو لمرة واحدة في جعل من يقرأ له حزينا، متهما، وعاجزا، لكن، الأهم، كارها، دون وعظ، لفكرة الحرب من صميم قلبه. ليست الحرب القريبة، ولا تلك التي في الجوار، لكن الحرب كلها، الحرب فوق أي أرض وتحت أي سماء، ولا يمكن لأحد العودة لقراءته - أراهن أن هذه العودة ستحدث- أن يشك ولو لمرة واحدة في صحة هذا القرار الذي يتخذه من أول قصيدة. هذا شاعر تكافئه بكراهية ـ ينتظرها - لموضوعه. كلماته هي المصل، غير المنتبه له، لكن الضروري. الحد الأقصى الذي باستطاعة الكلمات تقديمه لفهم البشاعة دون أن تخرج من حدود الشعر وتدخل إلى النصائح.
في ديوان كلمات رديئة، تعرف، بعد قصيدتين أو ثلاث، لماذا اختار هذا العنوان، لماذا كلمات رديئة؟! تستطيع أن تفهم ببساطة أنه عندما يُعبر شاعر عن رداءة هذا العالم، إنما يمنح كلماته دور المطهر، يقدمها على المذبح لتحمل خطيئة المعنى، يدفع بالدال ليقف في عار المدلول عاريا ومشتوما، من البداية، من الغلاف. هي تعرف أنها ستكون: «كلمات رديئة».. لذا لنزيد من هذه الكراهية التي هي كل ما تستطيع أن نكافئه بها. أنا لا أفترض، لكن كيف تصف نفسك وأنت تخرج من مثل هذا النص:
«إذا رأيتنا يوما نركض في التقارير المصورة عن الحرب..
أغلق تلفازك أرجوك
ربما ستخطئنا الرصاصة التي في شاشاتك المعتمة على الأقل»
يا للأمل المستحيل، الذي وظفه ميثم راضي كي تكره الحرب، وألا تعود لمحبتها أبدا مهما قدموا من مبررات متقنة.. أن يكون الوضع مستحيلا على الإنقاذ للدرجة التي يمكن معها طرح مثل هذه الفرضية، فرضية الخلاص المستحيل من الرصاصة بتجاهل أثرها.
ليست كل القصائد بمثل هذا التعبير الموضوعي الذي لا يقبل اللبس، هناك قصائد لم تكن في هذا الإطار، لكنها لم تكن بعيدا في الخارج، إنما تدور في أفق ينتمي إلى هذه الفكرة، في «الانتظار عند المصبات»:
«حداد غامض..
يطرق حديدة الأيام على شكل سمكة ثم يرميها في النبع
أنا وأهلي كنا عند المصبات، نحاول اصطيادها..
مرددين أغنيات قصيرة، وحزينة جدا عن الحياة
واقفين في قوارب تبدو من بعيد وكأنها ابتسامة خفيفة..
على وجه الماء»
يمكن الانتباه في هذه القصيدة لـ «عن الحياة» و« حداد غامض»، لنتعرف على خيط دخان منسل من حريق الغابة التي يخاف أن يتلعثم الشاعر في وصفها، هذه الحياة التي لا يجدي لكي يتم التمسك بها إلا هذه الحيلة القديمة: «كان جدي يجفف السنوات السعيدة.. ليستخدمها في غير مواسمها».
وتستمر قصائد الديوان إما في الفضاء الأساس لهذا الديوان «الحرب» مثل قصائد: المصادفة المستمرة، مساوئ العد على الأصابع، تقمص، صهيل الدراجات العربية، علامات التفجير الفارقة، السفر كأغنية، التاريخ بصيغة الأنوثة، سحب المعنى من تحت أنقاض النوم، خيط طبي.. الخ. في هذه القصائد اُستخدمت ثيمة الحرب بشكل صريح، بحيث أن مفردة «الحرب» قد وردت بشكل صريح أثناء القصيدة، أو أنها استخدمت فضاء الحرب لتعبر عن المعنى، مثلما هو الحال في قصيدة رسائل الأثاث:
«قطع الأثاث الخشبية أيضا تكاتب الغابة..
مثل أبنا بعيدين يكاتبون أمهاتهم
وحدها الشجرة التي صنعوا من ابنها تابوتا..
لا يصلها أي بريد»
أو قصيدة الوقوف كأب:
«أيها الملاك المسؤول عن توزيع المفاصل..
امنح الفتاة التي سيُكتب لها أن تكون أرملة: ركبة أب»
هناك بعض القصائد التي خرجت قليلا عن هذا الفضاء العام للديوان، لكنه ديوان يمكن أن نتحدث عنه، رغم هذه النسبة، على أنه يمتلك وحدة موضوعية.
في النهاية، نجح الشاعر ميثم راضي في كتابة قصيدة حديثة لها سماتها الخاصة، غير مغرقة في المجازات ولا الاستعارات، مكتسبه لذتها الخاصة من خلال الصياغة السهلة في ظاهرها، لكنها تمتلك عمقها الخاص الذي لا تخطئه العين. هذا ديوان بإمكان الجميع قرأته واكتشاف جمالياته، وهي المسافة التي لم يحسن قطعها كثير من شعراء قصائد النثر بمثل هذه الفنية والرشاقة التي قام بها الشاعر ميثم راضي.
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد