كتاب وأراء

هذا الترامب مرة أخرى

لأول مرة في تاريخ أميركا الحديث نعايش رئيسا جنح في حملاته الانتخابية وفي خطاب تنصيبه جريا على غير العادة إلى الوعيد والتهديد، بدلا من الوعود بالإصلاح والتطور والنهوض، لذلك أجزم بأن العالم سوف يظل منشغلا لفترة غير قصيرة بتصريحات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب غير المحسوبة، التي يشنها بين الحين والآخر، ويشوبها كثير من التسرع، وهذا ما دعا صحيفة في حجم الإندبندينت البريطانية أن تضع عنوانا بالخط العريض تعليقا على تنصيبه يقول «فليساعدنا الله».
كما أسلفت تصريحات الرجل بدلا من أن تكون وعدا جاءت وعيدا، فتارة يتوعد النساء بالانقضاض على حقوقهن، وتارة يتوعد الأقليات بطردهم من أميركا، ثم ينبري فيهاجم المسلمين الأميركان تارة أخرى، ولم تتوقف تصريحاته الطائشة عن حدود الولايات المتحدة الأميركية، بل تجاوزها ليتوعد بعض الدول ومست تلك التصريحات دولا عربية شقيقة.
وليس هناك أكثر من شعبه إدراكا لخطورة ما ينوي الإقدام عليه، وخشية من أن يكون جادا فيما يقول، خرج أكثر من مليوني شخص إلى المدن الاميركية في احتجاجات عارمة قادتها نساء معارضات له ومشاهير هوليود، أمثال مادونا وسكارليت جوهانسون واشلي جود وأميركا فيرارا والمخرج مايكل مور، والناشطة في حقوق المرأة غلوريا شتاينم، وعكس حجم التظاهرات الحاشدة في الولايات المتحدة وغيرها في أنحاء العالم، عمق المعارضة للملياردير ترامب بعد أيام قلائل من تنصيبه رئيسا للبلاد.
في تقديري الشخصي مثل هذه المظاهرات ستجعل الرجل يعيد حساباته فيما يهدد ويتوعد، وستجعله يدرك مبكرا أن الولايات المتحدة ليست شركة من شركاته، ولا الشعب الأميركي مجرد موظفين في امبراطورياته، فإدارة الشركات أمر وإدارة دولة أمر آخر مختلف تماما، يحتاج إلى أسلوب على النقيض تماما مما تعود عليه في تعامله مع موظفي شركاته.
ومثلما أجزم بأن العالم سينشغل بالرجل لفترة طويلة، أجزم أيضا بأنه لن يستطيع تنفيذ أي تهديد من تلك التهديدات التي أطلقها، فلن يجرؤ على الاقتراب من حقوق المرأة خصوصا وأن المرأة هناك لاتزال منقوصة الحقوق، وربما قليلون فقط هم من يعرفون أنه بمقتضى لوائح العمل الأميركية تتقاضى المرأة أجرا أقل من أجر الرجل المتساوي معها في الدرجة وسنوات الخبرة، كما لن يجرؤ على الاقتراب من حقوق الأقليات لأن منهم عناصر قيادية تتربع على عرش المؤسسات التي تدير أميركا.
أما بالنسبة لسياسته الخارجية فقد بدت بوادر التراجع تلوح في الأفق، فهو وإن كان قد وجه الدعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو لزيارة أميركا في أوائل فبراير، فلن يستطيع الوفاء بوعده لإسرئيل المتعلق بنقل السفارة الأميركية من مقرها الحالي في تل أبيب إلى القدس، إذ صرح المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر أن هذه الخطوة مستبعدة في الوقت الراهن.
وفيما يتعلق بالعرب إن هم أدركوا قوتهم وقيمتهم وثقلهم الحقيقي فلن يستطيع هذا الترامب أن يسلبهم أموالهم، والكورة الآن في ملعبهم أي العرب وسلامتكم.

آمنة العبيدلي