كتاب وأراء

ما بـيــن هجرة البشر وهجرة الطيور !

هناك هجرتان الآن عبر البحر الأبيض المتوسط، شمالاً نحو أوروبا، أو جنوباً باتجاه القارة الأفريقية، في الحالتين هناك ضحايا.
في الحالة الأولى يبحث المهاجرون عن حياة أفضل بسبب الحروب والنزاعات والأوضاع المعيشية المتردية. لكن الأمر يختلف جذرياً بشأن الهجرة الثانية.
في الهجرة الأولى الذين يحاولون الهجرة نحو أوروبا يفعلون ذلك عبر قوارب خشبية أو مطاطية أو حتى حديدية مهترئة، وعادة ما تكون النتيجة مأساوية.
أما الهجرة الثانية الهجرة فتكون عبر الفضاء الشاسع. غرض هؤلاء «المهاجرين» هو البحث عن الدفء هروباً من برد أوروبا وصقيعها.
كيف ذلك؟.. سأشرح.
في الهجرة الثانية تكون الرحلة من أقصى القارة الأوروبية إلى غابات إفريقيا وضفافها ومروجها الخضراء، وهي هجرة «طيور» وليس «بشر».
في بدايات يونيو (حزيران) عام 2011 أطلق علماء بريطانيون 14 من طيور الوقواق (الكوكو) التي تعد من أسرع الطيور المهاجرة، أربعة من منطقة «نورفولك» بشرق إنجلترا وخمسة من «ويلز»، والدفعة الثالثة وتضم خمسة كذلك من اسكوتلندا.
ثبت العلماء قطعاً معدنية صغيرة تحت جناحي كل طائر، بحيث تشحن تلك القطعة عبر أشعة الشمس، وترسل بإنتظام إشارات إلى قمر صناعي، وعن طريق تلك الإشارات يحدد العلماء مكان الطائر وسرعة طيرانه، ودرجة حرارته والأمكنة التي يمر منها ومتابعة رحلته نحو إفريقيا، وعبر تلك التقنية يعرف العلماء ما إذا كان الطائر ما زال على قيد الحياة أو نفق.
تلقيت يومئذٍ اتصالاً من الجمعية البريطانية لعلم الطيور (بي تي أو)التي أشرفت على التجربة، لتتحرى عن منطقة في المغرب هبط فيها واحد من الطيور التي أطلقت من منطقة «نورفولك» وعبرت فوق مضيق جبل طارق ثم انتقلت إلى دول جنوب الصحراء الكبرى.
كان ذلك الطائر قد انحرف بمفرده جهة المحيط الأطلسي حيث هبط في منطقة «حد السوالم» جنوب الدار البيضاء في أغسطس (آب) من عام 2011 قبل أن يواصل رحلته جنوباً.
كانت تلك الواقعة مبعث اهتمام شخصي بتلك التجربة المثيرة.
كان الغرض من التجربة التي رصدت لها ميزانية ضخمة، وساهمت في تمويلها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) معرفة الأسباب التي أصبحت تحول دون عودة طائر الوقواق الذي يمضي قرابة سنة في بعض المناطق الأفريقية الرطبة ثم يعود صيفاً إلى شمال القارة الأوروبية خاصة الجزر البريطانية.
أرتأى العلماء متابعة تحركات هذه الطيور عبر الأقمار الصناعية وذلك لتفسير ظاهرة انخفاض أعدادها في أوروبا، خاصة في إنجلترا.
ولأول مرة، أعدت دراسة حول الطيور المهاجرة لأفريقيا لمعرفة ما تواجهه في رحلتها من عوائق، والأسباب التي تجعلها لا تعود في السنة التالية إلى أوروبا كما اعتادت في الماضي.نتائج هذه الدراسة منشورة حالياً على موقع «بي تي أو».
إذا كانت الطيور في الرحلة الأولى تجد ضالتها في غابات وعلى ضفاف الأنهار الأفريقية، فإن العكس يحدث في الهجرة الثانية، حيث تنعدم وسائل العيش أو تضيق على شباب أفريقي يحلم بحياة رغدة، وتكون النتيجة ركوب جميع المخاطر بما في ذلك عبور الغابات والفيافي والصحارى نحو دول شمال إفريقيا خاصة المغرب وليبيا وإلى حد ما الجزائر وتونس، من هناك يتلقفهم وسطاء وشحنهم داخل «قوارب الموت» في المتوسط.
طبقاً لآخر إحصائيات «المنظمة العالمية للهجرة» (آي أو إم) والتي نشرت الأحد الماضي فإن 3335 مهاجراً وصلوا إلى الشواطئ الأوروبية منذ بداية هذه السنة في حين لقي 230 منهم حتفهم.
هذه الهجرة لا فائدة ولا جدوى منها لأي طرف، عكس هجرة طيور الوقواق وباقي الطيور الأخرى التي تحافظ على توازن البيئة على الجانبين الأفريقي والأوروبي.
تتسبب هجرة الشباب الأفريقي الحالم بالجنة الأوروبية، في مصاعب ومتاعب من ذلك أنها توتر العلاقات بين دول الجنوب والشمال.
تسعى أوروبا جاهدة لنقل المهاجرين من معسكرات الإيواء إلى دولهم، ودول إفريقيا لا ترغب في هذه «النفايات البشرية» على حد تعبير أحد القادة الأفارقة.
شتان ما بين الهجرتين.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل