كتاب وأراء

سياسة ترامب .. انقلاب اقتصادي فاشل

رؤيتنا الجديدة أميركا أولاً..
معا سنجعل أميركا قوية.. ثرية وفخورة مرة أخرى.. سنحمي حدودنا من الفوضى.. الأولوية لشراء المنتجات الأميركية وتوظيف أميركيين..
قدمنا الدعم المالي لجيوش أخرى على حساب الجيش الأميركي.. وحلف الناتو عفا عليه الزمن..
سنوحد العالم المتحضر ضد التشدد والإرهاب الإسلامي وسنمحوه من على وجه الأرض..
هذه العناوين الأساسية التي وردت في خطاب الرئيس الأميركي رونالد ترامب في حفل تنصيبه رسمياً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.. كيف يمكن قراءتها؟
العديد من الكتاب والمعلقين والمحللين رأوا في خطاب ترامب عودة إلى الفاشية والانعزالية.
لكن من يدقق في العناوين المذكورة آنفاً، بعيدأ عن الأحكام المسبقة، يدرك بأنها تجسد رؤية استراتيجية جديدة مناقضة للاستراتيجية الأميركية التي انتهجتها الإدارات السابقة، على اثر انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وقامت على اطلاق العنان للعولمة ونهج الليبرالية الجديدة التي راحت تستخدم العولمة وسيلة لتمكين ممثليها من الرأسماليين الريعيين من فرض هيمنتهم على الأسواق المالية واقتصادات الدول وتحويلها إلى اقتصادات ريعية تجني منها الأرباح الطائلة. لكن هذه العولمة أدت إلى اشتداد المنافسة في الأسواق بين المنتجات الأميركية والأوروبية المرتفعة الكلفة، وبين منتجات الدول الناهضة اقتصاديا، وفي الطليعة منها الصين والهند..الخ، المنخفضة الكلفة، مما أجبر الكثير من الشركات الرأسمالية الأميركية على نقل مصانعها إلى خارج أميركا، حيث كلفة الانتاج أقل، لتكون قادرة على المنافسة، غير أن ذلك أدى إلى تراجع وركود الاقتصاد الأميركي في داخل أميركا، والى تسريح عشرات الآلاف من العمال، ما تسبب في زيادة أعداد العاطلين عن العمل، واشتداد التزاحم على فرص العمل، واستغلال الرأسماليين لذلك لخفض أجور العمال وتغيير فوانين العمل بحجة تراجع أرباحهم.
من هنا فان خطاب ترامب جاء بمثابة انقلاب على العولمة والليبرالية الجديدة، وعودة إلى اعتماد سياسة الحمائية لدعم الاقتصاد الأميركي في الداخل ووقف الهجرة غير الشرعية، واطلاق مشاريع إعادة تأهيل البنى التحتية لحل مشكلة البطالة ورفع معدلات النمو.
وبالمقابل فان تطبيق هذه السياسة سوف يؤثر على علاقات وتحالفات أميركا، ففي مقابل توجه ترامب نحو التعاون مع روسيا لمحاربة الإرهاب وحل العديد من المشكلات في المناطق الساخنة، خصوصا وأن روسيا لا تشكل تحديا اقتصاديا داهما لأميركا، فانه سيكون في انتظاره التحدي الأكبر الذي تمثله الصين للاقتصاد الأميركي التي تنافس منتجاتها المنتجات الأميركية في عقر دارها، ولا يعرف كيف سيتعامل ترامب مع الصين التي لن يكون من السهل عليه الفكاك من العلاقة معها، لاسيما وأن حجم التبادل التجاري والمصالح الاقتصادية والمالية بين البلدين هو الأكبر في العالم، أما العلاقة مع الجارة المكسيك فإنها مقبلة على توتر في ضوء قرار ترامب بناء الجدار على الحدود معها أو تدفيعها مقابل هذا الجدار وترحيل عدة ملايين من المهاجرين إليها، إلى جانب فرض ضرائب مرتفعة على دخول المنتجات المكسيكية إلى أميركا. أما اليابان فإنها ستكون محاصرة بين أكبر شركائها التجاريين، أميركا والصين، في حين أن العلاقة الأميركية الأوروبية لن تسلم من التوتر مع قرار ترامب التخلي عن حماية حلفائه، إلاّ إذا تحملوا هم كلفة هذه الحماية، وهذا يعني أن ترامب ليس مستعداً أن يتحمل أي إنفاق في الخارج، فهو يريد تأمين الأموال للنهوض بالاقتصاد الأميركي وإعادة تجديد قطاعات الخدمات في أميركا.
على الرغم من أن الهدف الأساسي لترامب هو استعادة ازدهار الاقتصاد الأميركي والرفاهية الأميركية التي كانت عليها في القرن الماضي، إلاّ أن أميركا لن تتمكن من استعادة مستويات النمو والدخل التي كانت تنعم بها في السابق، فالحمائية تعني أن الاقتصاد الأميركي لن يكون قادراً على المنافسة في الأسواق العالمية، خصوصاً في ظل تزايد المنافسة الاقتصادية العالمية في الأسواق، وهذا يعني أن الاقتصاد الأميركي سوف يكون مضطراً إلى الاعتماد في تسويق منتجاته على السوق الأميركية المحلية، ما يعني أنه من المستحيل استعادة معدلات النمو السابقة ولا مستوى الدخل الذي يحقق للفرد في أميركا الرفاهية التي كان يعيش فيها سابقاً وسيكون على الأميركيين أن يتكيفوا مع مستوى دخل أقل.
ولاشك في أن ذلك سوف يكرس التراجع في قوة الاقتصاد الأميركي وسيكون له انعكاس على نفوذ أميركا العالمي. فتراجع الدعم الأميركي للعديد من الدول ووقف الانفاق على حماية الحلفاء كل ذلك سيضعف من الدور الأميركي وسيكرس أكثر فأكثر التعددية الدولية ويوفر الأساس لإعادة صوغ النظام الدولي الجديد ومؤسسات الأمم المتحدة على النحو الذي يؤمن الشراكة والتوازن، وينهي ما تبقى من آثار هيمنة أميركية في قلب المؤسسات الدولية، تعود إلى زمن الهيمنة الأحادية.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي