كتاب وأراء

دور أساسي .. النفط وصنع الحضارة الإنسانية

لو لم يُكتشف النفط في مناطق الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر، أي نوع من المجتمعات كان يمكن أن يقوم في الولايات المتحدة وفي أوروبا، وفي العالم؟ على سبيل المثال، كان يوجد في مدينة نيويورك وحدها في عام 1900 حوالي مائة ألف حصان لجرّ عربات النقل والشحن.. وكان يوجد في مدينة لندن وحدها أيضاً حوالي 300 ألف حصان للقيام بهذه المهمات أيضاً.
إن مخلفات هذه الحيوانات كانت تحول شوارع المدن الأميركية والأوروبية إلى مزابل وإلى تجمعات من الأقذار الممزوجة بالطين الذي تفوح منه روائح كريهة.
وعندما تغيب الشمس كانت تتكاثر حول هذه المخلفات الحيوانية، الحشرات على اختلاف أنواعها، مما أدى إلى انتشار مرض الطاعون الذي قتل الملايين من الأوروبيين.
ولكن بعد اكتشاف النفط، تغيّر كل شيء.. ففي عام 1912 زاد عدد السيارات في نيويورك على عدد الأحصنة للمرة الأولى.. وفي عام 1917 تقاعدت آخر عربة تجرّها أحصنة عن العمل في نيويورك.
ومنذ ذلك الوقت تغيرت الطرق.. وتغيرت وسائل النقل والمواصلات.. وأصبحت الشوارع نظيفة وسالكة.
لم يغير اكتشاف النفط وسائل النقل فقط، ولكنه غيّر الحياة العامة.. فمشتقات النفط موجودة اليوم حتى في حبة الأسبرين.. وهي موجودة أيضاً في أحمر الشفاه.. إلى جانب وجودها في النظارات التي نستعين بها للرؤية.. وفي الأقلام التي نكتب بها.. بل إن مشتقات النفط موجودة حتى في ملابسنا.
كما يصنع بعض قطع السيارات والدراجات الهوائية والنارية من مشتقات نفطية.. كان العالم يعتمد على الطاقة النفطية بنسبة 46 بالمائة حتى عام 1973، إلا أن هذه النسبة انخفضت اليوم إلى 31 بالمائة.. ومع ذلك لايزال النفط العامل الأساس في صناعات القرن الواحد والعشرين.
فالنفط هو المادة الأكثر تداولاً في أسواق العالم، وتبلغ قيمة تداولاته 15 ألف مليون دولار في العام.. وأكبر عشر شركات في العالم هي شركات نفط.. وتقوم هذه الشركات بتأمين 93 بالمائة من حاجة شركات النقل العالمية إلى الطاقة.
ثم إن النفط ليس المادة الوحيدة لتأمين النقل الجوي عبر القارات والمحيطات، ولكنه من مشتقاته يصنع العديد من قطع الطائرات، أجهزة ومقاعد.. ولولا النفط لما عرف الإنسان طريقه بين القارات جواً وبحراً.. بل ولولا النفط لما عرف طريقه إلى الفضاء الخارجي.. ولكن إذا كان اكتشاف النفط قد غيّر حياة الإنسان، فإنه غيّر تاريخ الإنسانية أيضاً.. ذلك أنه بسبب النفط نشبت حروب وصراعات وقامت تحالفات وعداوات كان من نتيجتها تبلور عالم اليوم على الصورة التي هو عليها.. ولايزال النفط وسيبقى، المحرك الأساس لاقتصادات ولسياسات القرن الواحد والعشرين.. وما يليه..
من أجل ذلك يتوقع وزير النفط السعودي خالد الفالح أن يستثمر العالم في سوق النفط (تنقيباً وإنتاجاً وتصنيعاً وتسويقاً) ما يقدّر بحوالي تريليون دولار في العام، وعلى مدى ربع القرن الجاري.
وسوف يتركز التنقيب في المناطق القطبية الشمالية، حيث يقدر المخزون هناك بما يعادل حجم المخزون في حقل الغوار في السعودية. وقد خصصت شركات النفط الأميركية 20 مليار دولار حتى الآن للمشروع.. فهل يحتاج العالم إلى كل هذا النفط؟
في عام 1956 قال أحد أهم الباحثين في شؤون النفط والطاقة كيغ هيوبرت إن الإنتاج العالمي لن يزيد أبداً على 33 مليون برميل يومياً.. غير أن الإنتاج وصل اليوم إلى 97 مليون برميل يومياً.. كذلك فإن المكتشفات حول مخزون العالم من النفط تؤكد أن هذا المخزون زاد بنسبة 50 بالمائة عما كان عليه في العقدين الماضيين.
يهتم العالم اليوم بالبيئة بعد أن أدى تدهورها إلى كوارث طبيعية، أو إلى كوارث تنسب إلى الطبيعة.. غير أن الدراسات العلمية تؤكد أن نسبة 46 بالمائة من التلوث المترتب عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مصدره الفحم الحجري.. أما النفط فإنه مسؤول عن 34 بالمائة فقط.
والسؤال الآن هل إن التحول إلى الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية والهوائية وسواها) سوف يغني العالم عن النفط؟
الجواب العلمي البسيط هو نعم.. ولكن ذلك يحتاج إلى وقت طويل بحيث يكون مخزون العالم من النفط قد نفد!!

بقلم : محمد السماك

محمد السماك