كتاب وأراء

الصين ودعت «سياسة الطفل الواحد»

كما هو معروف استطاعت الصين أن تتفادى المجاعة بسبب عدة عوامل، من بينها نجاحها في كبح جماح الانفجار السكاني عن طريق تطبيق «سياسة الطفل الواحد»، أو ما عـُرف رسميا باسم سياسة «تنظيم الأسرة في جمهورية الصين الشعبية». هذه السياسة التي عدها نشطاء حقوق الإنسان اعتداء على حرية الفرد وخياراته، فيما تطرق آخرون إلى جوانبها السلبية الكثيرة، على الرغم من أن السلطات الرسمية حاولت امتصاص الغضب الجماهيري عبر سلسلة من الاستثناءات، مثل استثناء الأسر في المناطق الريفية المحتاجة إلى الأيدي العاملة الكثيفة، واستثناء بعض الأقليات العرقية، واستثناء الأمهات والآباء الذين ليس لديهم أشقاء أو شقيقات. وحينما كانت بكين على وشك استعادة كل من هونغ كونغ ومكاو إلى سيادتها في أواخر تسعينيات القرن الماضي، قررت أن تستثني هاتين المنطقتين أيضا من سياسة الطفل الواحد.

صحيح أن الصين نجحت عبر تطبيق هذه السياسة في تخفيض عدد سكانها بنحو 250 مليون نسمة - طبقا للبيانات الرسمية- لكنها لم تنجح في القضاء على الآثار السلبية العديدة التي خلقتها وعلى رأسها اختلال نسبة الذكور إلى الإناث، وتزايد عدد المسنين ممن لم يعودوا قادرين على العمل، وجنوح صينيات كثر إلى الإجهاض السري عند اكتشاف حملهن للطفل الثاني أو جنوحهن إلى الإكثار من تناول أدوية الخصوبة أملا في إنجاب التوائم، وقيام أسر كثيرة بشراء صمت المسؤولين المحليين عبر تقديم الرشاوي، بل وخرق كبار المسؤولين أنفسهم لسياسة الطفل الواحد.

وقبل عدة سنوات قامت الأكاديمية الصينية للخدمات الاجتماعية بقرع ناقوس الخطر معلنة أن الإبقاء على تلك السياسة لن تقلص نسب الشباب فحسب، وإنما ستؤدي بحلول عام 2020 إلى مشكلة غير مسبوقة تتمثل في عدم العثور على زوجات لأكثر من 24 مليون صيني. بعدها نـُشرت عدة دراسات وأبحاث أجمعت كلها على أن الصين في طريقها لكي تصبح أول دولة مصابة بالشيخوخة في العالم.

ويبدو أن هذه الإنذارات التقت مع رغبة الحزب الشيوعي الحاكم في القيام بإصلاحات اقتصادية للحيلولة دون تباطؤ الاقتصاد أو على الأقل المحافظة على معدلات نموه الحالية، فكانت النتيجة إلغاء «سياسة الطفل الواحد» على دفعتين.

ففي ديسمبر 2013 قرر مجلس نواب الشعب رفع الحظر عن إنجاب الطفل الثاني إن كان أحد الزوجين هو وحيد أسرته. وخلال المؤتمر الخامس الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر 2015 تقرر تطوير ما سبق إعلانه في 2013، والتخلي نهائيا عن سياسة الطفل الواحد. وهكذا صار متاحا اليوم أمام أي زوجين صينيين إنجاب الطفل الثاني دون أن يطبق ضدهما عقوبات كتلك التي كانت مطبقة في الماضي، مثل الحرمان من كافة حقوق المواطنة بما فيها الانتخاب والاستفادة من الخدمات العامة كالتعليم والطبابة، أو إخضاع الزوجة للإجهاض الإجباري، أو فرض غرامات مادية كبيرة ترهق كاهل الأسرة. على أن المشاكل التي خلقتها سياسة الطفل الواحد لا يمكن أن تنتهي بالتخلي عنها، خصوصا وأن التخلي عنها جاء متأخرا جدا أي بعدما تفاقمت آثارها السلبية إلى حد كبير. فإصلاح ما خلفته من اختلال جندري ومعاناة وحرمان وأذى نفسي وإهدار للمال قد لا يتحقق، أو أنه يحتاج إلى فترة زمنية طويلة ليتحقق، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأسر الصينية، ولاسيما في المدن الكبيرة، قد تتخلى عن حقها القانوني في إنجاب طفل ثان بسبب التكلفة العالية لتربيته وضغوط الحياة والعمل في العصر الراهن.

بعض المحللين الصينيين تطرق، في معرض تعليقه، إلى الحرمان الذي فرضته الدولة على الأزواج، متسائلا - بلغة ساخرة- عما إذا كان بمقدور الحزب الشيوعي اليوم تعويض مئات الملايين عما فاتهم يوم أن كانوا في مستهل شبابهم في خمسينيات القرن الماضي؟

د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني