كتاب وأراء

مفتاح القلوب

ليس هناك رداء أبهى من المحبة ولا عطر أطيب منها، ويخطئ من يقول إن الجمال يزول لكن المحبة تبقى.
فالحقيقة عكس هذا.. إن الجمال لا يزوى إلا اذا ذهبت المحبة، في غياب الحب لا يعود لأي شيء قيمة أو معنى، وفي الاساطير القديمة هناك قصة عن مجموعة من رجال الدين لا يتجاوز عددهم الخمسة وتخطى أصغرهم سن السبعين، عاشوا منعزلين في دار للعبادة لا يتردد عليها احد، وذلك بعد ان فقد الناس ثقتهم برجال الدين، وقل اهتمامهم بهم وبما يقولونه، وفي أعماق الغابة المحيطة بهم كان هناك فيلسوف يعيش في كوخ صغير ويقضي وقته في القراءة والتأمل، وخطر لهم بعد تفكير عميق ومشاورات ان يلجؤوا اليه ويشكوا له الحال، رحب الفيسلوف بكبيرهم الذي ارسلوه اليه، واستمع اليه طويلا حتى اذا انتهى من شكواه قال له: «أنا آسف.. ليست لدي نصيحة-كل ما يمكنني أن أقوله لك هو أن بينكم رجلا صالحا سيهديكم إلى الحل» وعندما عاد رجل الدين إلى زملائه ونقل اليهم ما قاله الفيلسوف تحيروا مثله، وفي الايام والاسابيع والاشهر التالية، فكر الجميع في كلامه، وتساءل كل واحد منهم على حدة عن الشخص المقصود؟ هل حقا الرجل الصالح موجود معنا هنا؟ ترى من هو؟إذا كان الأمر كذلك،فأينا؟هل كان يعني قائدنا وكبيرنا.. لطالما كان كبيرنا أكثرنا حكمة ورزانة بحكم السنوات الطويلة التي عاشها على وجه الارض...ولكنه ربما أيضا يعني «توماس» قطعا «توماس»الرجل الصالح، جميعنا يعرف انه كذلك، قطعا لا يقصد «الفريد» فهو سطحي وضحل التفكير، لكنه دائما يقول الحق، إنه لا يكذب أبدا، وقطعا لا يقصد «فيليب»فهو سلبي للغاية –شخص مهمش-محايد على الدوام- ومع ذلك فهو لا يتورع عن مد يد المساعدة لمن يحتاج اليها، وربما يكون هو المقصود، وقطعا لا يقصدني أنا..أنا رجل عادي، ولكن لنفترض انه يقصدني، يا آلهي أرجو أن لا اكون انا...لا يمكن أن اكون هذا الشخص، هل يمكن أن اكون؟ وبينما كانوا يفكرون بهذا الشكل، بدأ رجال الدين يعاملون بعضهم باحترام
غير عادي، في بادئ الامر من باب الحيطة من أن يكون أي واحد منهم هو الرجل الصالح، وبعد فترة بدأ كل واحد منهم ينظر للآخر نظرة مختلفة، وطغت المزايا والايجابيات على السلبيات، وزال التكلف والحذر وصفت نفوسهم وتغيروا دون حتى ان يشعروا بذلك، وكان الناس المترددون على الغابة معتادين على رؤيتهم وتجاهلهم في الوقت نفسه، فهم كالاشجار موجودون وليسوا موجودين، لكن شيئا ما بدا مختلفا لهم في الفترة الاخيرة، شيء يصعب شرحه أو تفسيره، استشعروا هالة الاحترام والسماحة والرقة والتي كانت تشع من الرجال المسنين، وتشع في المكان، اختفى الجمود والتجهم من وجوههم، واختفت النبرة الحادة المهددة من أصواتهم، كان هناك شيء جذاب يغري بالاقتراب منهم، والتقرب اليهم، كانت تصرفاتهم تدل على اللطف والحب..الكثير من اللطف والكثير من الحب..وشيئا فشيئا بدأ الاطفال يقتربون منهم بلا خوف ليلعبوا معهم، ووجد المراهقون من يستمع اليهم دون ان يوجه اليهم الانتقادات، وبدأ الكبار يبادلونهم التحية والحديث في مختلف شؤون الحياة، وفي غضون سنوات قليلة أمتلأت الغابة ودار العبادة بالناس من جميع الاعمار... الخلاصة كما قال اديب روسيا العظيم«تولستوي:» لا يمكن أن يصبح العالم كله سعيدا الا أذا استعاض الناس عن محبة أنفسهم بمحبة الآخرين.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري