كتاب وأراء

الحقيقة والوهم

ربما كان تقسيم العراق أو أي دولة عربية في الماضي أمراً يبعث على الصدمة، والرفض الشديد من قبل أي إنسانٍ عربي، ولم نكن لنصدق أن إنساناً عربياً فضلاً عن كونه عراقياً قد يتمنى ذلك، لكن الواقع اليوم جعلنا نسمع من أهل العراق السنة أنفسهم من يتمنى أن يحدث هذا التقسيم كي يتمكنوا من بناء دولة مستقلة من فتات ما كان يعرف بالعراق بعيداً عن ما عاشوه من ويلات بعد غزو العراق، وبعيداً عن عذابات داعش والمليشيات الشيعية المتطرفة، خاصة أن الأقاليم السنية شاسعة غنية بالثروات. تقول إحدى المثقفات العراقيات العاملات في مجال الصحافة: ننتظر من أميركا أن تنفذ هذا الأمر، ومادامت أميركا تريد ذلك فالأمر ما أرادت أميركا.
محزن أن يتشكل وعي هذه العربية المثقفة على كون مصائرنا رهناً بإرادة أميركا.. ربما هي غير ملومة.. فأميركا غزت العراق يوماً حين أرادت ذلك بدعوى أنها دولة تصدر الإرهاب، والتهديد للعالم الحر في عهد جورج بوش بأدلة كاذبة، ومزوّرة، ثم تركت العراق بلداً مدمراً بكل ما تعنيه هذه الكلمة دون أن يردعها، أو يحاسبها أحد. واليوم تقول على لسان ترامب ان غزو العراق كان أسوأ قرار في تاريخ أميركا مع وصفه بالفوضى العارمة هكذا بكل ببساطة. كالبساطة التي تحدث بها وهو يضحك أحد الجنود الأميركان الذي شارك في غزو العراق واستباحته عن قصة اغتصابه وزملائه الذين يزيدون على العشرة جنود فتاة عراقية بعمر الرابعة عشرة، انتحرت بعد ذلك مباشرة قبل أن تذبح بيد عشيرتها.. لقد كان يتحدث عن طفلة في عمر الزهور انتهك شرفها، وديست كرامتها، وانتهت حياتها، وأحلامها في برنامج تليفزيوني وكأنه لا وجود ولا كرامة لها ولا، لأهل خلفها.. دون أن يحاكم أو يقتص منه. قاسية إذاً هي أرادة أميركا.. موجعة لحد الفجيعة ليس للمخلوقات أمثالنا لديها أي اعتبار إنما نحن أجساد تعبر على هياكلها مصالح أميركا، وأهدافها. وما كل الشعارات التي تنادي بها وتدعو لها إلا مجرد اكسسوارات تحتاجها دولة عظمى كأميركا كي تحافظ على أناقتها في الصورة العالمية. وما مَثَلُ العراق إلا غيض من فيض في تاريخ أميركا.
واليوم ها هي أميركا ذاتها منقسمة على نفسها بعد تولي ترامب الحكم والعالم كله ينتظر كيف ستسير أميركا بقيادة هذا الرجل الذي ما كان لأحد أن يتصور أن يكون رئيسها يوماً ما... لكنها إرادة ما.. في أميركا.. إرادة نحو التطرّف كما يبدو للدرجة التي تكرر معها وعد ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس بما يمثل اعترافاً واضحاً بأنها عاصمة لإسرائيل بعيداً عن الخط الرمادي الذي كانت تتبعه الإدارة الأميركية في تعاملها مع القضية الفلسطينية، وبالرغم من كل التحذيرات التي تلقاها ترامب كون هذا الأمر قد يفجر الوضع في الشرق الأوسط، بينما يعتقد ترامب ومن خلفه إسرائيل أن شيئاً من ذلك لن يحدث مع العرب الذين اعتادوا الصمت أمام ما تفعل وتريد أميركا.
في الحقيقة إرادة أميركا لا يمكن أن تخدم مصالحنا دون مصالحها، وساذج من يظن أنها قد تمنح أحداً راحة أو سعادة مجانية هكذا دون مقابل. وما يجب أن يتغير في وعينا أن إرادة أميركا لم تكن لتكون لولا ضعفنا نحن وتفرقنا
والتاريخ يشهد كيف كسرت شعوب عدة إرادة أميركا بكل أساطيلها، وجيوشها.

بقلم : مها محمد

مها محمد