كتاب وأراء

مجتمع خارج مبدأ «الثواب والعقاب»

مبدأ «الثواب والعقاب» مبدأ كوني تقوم عليه الحياة وتستقر، ويقف المجتمع متوازنا وثابتا أمام مكوناته بجميع اشكالها، هو مبدأ أخلاقي وقانوني للتربية وللمجتمع. إذا أفلت المجتمع من مبدأ الثواب والعقاب عاش في فوضى وفساد كبير، والأخطر من غيابه عملية تفريغه بحيث يعاقب من لا يستحق العقوبة ويثاب من لا يستحق المثوبة. لا أريد أن أستطرد في أهمية هذا المبدأ دينيا والقرآن والسنة مليئة بما يحدد أهميته في سلوك المسلم أو المتدين عامة، ولا أريد كذلك أن أستطرد في الجانب التربوي، كونه مبدأ أصيلا من مبادئ التربية، لكن أريد أن أشير إليه في مجال الإدارة والسياسة، ولن أخوض في الفروض النظرية وإنما سأحاول أن أراجع الواقع الذي عايشته إداريا وسياسيا في مجتمعنا القطري، شخصيا لا أذكر مسؤولا «كبيرا» واحدا، سكن المنصب وخرج منه عن طريق مسطرة الثواب والعقاب. أرجو أن يذكرني القارئ الكريم إن كان ثمة واقعة لم أعلم بها أو لم تسعفني ذاكرتي لسردها. كم تغييرا وزاريا شهدت الدولة منذ إنشائها، كم وزيرا مر على الوزارة الواحدة؟ وأرغى وأزبد ثم اختفى، كم مديرا عاما مر على شركات الدولة العملاقة وخرج بهدوء وكأنه كان يحلم ولم يوقظه أحد من حلمه الجميل؟ كم رئيسا تنفيذيا أو رئيسا لمجلس إدارة تعاقب على المؤسسات والشركات المملوكة للمال العام وتركها ولم يسأله أحد عن عمره فيها فيمَ أفناه، وعن أوداجه كيف امتلأت بعد أن كانت خاوية على عظمها؟ هل حوكم أحد من المسؤولين أو الوزراء، هل استوجب أحد؟ أسئلة تحدد مسارا وليست ترفا.
إما أننا أمام مجتمع ملائكي لا يحتاج لمبدأ الثواب والعقاب لملائكيته السماوية، أو أننا مجتمع خارج هذا المبدأ المهم والأساسي لتوازن المجتمع وحفظ قيمه ومؤسساته.
الواقع يقول اننا خارج نطاق هذا المبدأ تماما، خارج تغطيته إن كان موجودا شكليا أو خارجه لعدم وجوده من الأساس. عندما تضع القيادة ثقتها في أحد فيخرج سمينا بعد أن كان يعاني من هزال مزمن، ولا يطرح عليه تساؤل: من أين لك هذا؟ يصبح مثالا لمن بعده وهكذا تتكرر الأمثلة، حتى أنه يأتي البعض المنصب وفي ذهنه سرقته قبل أن يسرقه الوقت ويستغنى عنه. الاخطاء المتراكمة في أجهزة الدولة ووزاراتها تدل على مرور فوضى عاصفة انتفع منها من انتفع وترك المجال صفصفا كأن لم يغن بالأمس. إذا اختفى مبدأ الثواب والعقاب، تحول المجتمع إلى مجتمع سرقة تحت لافتة التنمية أو التطوير، فيحدث إفقار خطير للإنسان خلقيا واجتماعيا مع بقاء اللافتة معلقة.
إن غياب الشفافية يؤثر سلبا على إنتاجية المجتمع، كما أن سوء تطبيق هذا المبدأ مبدأ الثواب والعقاب له أيضا جوانب سلبية، نظام الثواب لا يجب أن يعتمد على الكمية التي ينتجها الشخص ومعظمها علاقات شخصية لا أكثر، ولكن على نوعية العمل الذي يقوم به، ومازلت أذكر أشخاصا ينالون ترقيات شبه سنوية وكل عملهم تواجدهم في مكتب الوزير، بينما هناك أفراد ينجزون عملا نوعيا لا تصل لهم الدرجات حتى المستحقة بالأقدمية. بل وصل الحال ببعض الإدارات أو الوزارات أن تترصد أخطاء الموظف، والبعض يُعاقب قبل أن يُحاسب.
لا يمكن لمجتمع أن ينجز وهو يعيش خارج نطاق الثواب والعقاب بشكل مدروس ودقيق، لذلك هناك العشرات ممن ظلموا من أبناء الوطن، ممن خدم وأخلص، لا يصح أن يحاسب الصغير ويترك الكبير، حق الوطن حق عام لا يعفى أحدٌ منه، لم نعد نعرف المخلص من غير المخلص، لم نعد نعرف من المستأمن الذي أدى الأمانة على خير وجه من غير المستأمن الذي خانها وخان قسمها، لم نعد نميز بين الجيد والرديء، أصبحنا مجتمع عملة تصرف في أي مكان وليس عند محل الصرافة، كما أن نظام الثواب ليس نظاما انتقائيا واختياريا له ضوابط لابد أن تتوافر، حتى أن هناك إدارات وجميع من يعمل بها يحمل درجة وزير، ولم أجد موظفا واحدا.
مبدأ الثواب والعقاب مبدأ عقلاني رشيد، يهدف إلى تحقيق العدل ما أمكن لأن في ذلك اتساقا مع مبدأ العدل الإلهي الذي قامت بموجبه السموات والأرض.
بقلم: عبدالعزيز بن محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر