كتاب وأراء

شعارات شوفينية : ما بين ترامب الرئيس وترامب المرشح

ما كان قبل أشهر يعتبر بمثابة مزحة ثقيلة للبعض أو حلم للبعض الآخر تحول اليوم إلى حقيقة بولوج دونالد ترامب عتبة البيت الأبيض ليصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة.. الرجل الذي يملك ثروة ضخمة، ولكنه لا يتمتع بأي خبرة سياسية ولم يسبق أن تقلد أي منصب سياسي أو رسمي بعكس جميع الرؤساء الذين سبقوه، هو اليوم رئيس أقوى دولة في العالم.
هذا الرجل الذي لا يشبه الآخرين، والذي يواجه معارضة شديدة في الوسط السياسي وفي الشارع على السواء، وتحديداً من النساء، كان كثيرون ينتظرون أن يسمعوا منه عند تنصيبه الجمعة الماضي كلاماً مختلفاً، عما كان يعلنه خلال حملته الانتخابية.. كلاماً جامعاً ومطمئناً واستشرافياً لمن يشكك بقدراته ونواياه، ولمن يتوجس من خطابه الشعبوي والعنصري تجاه النساء والسود والأقليات والمسلمين، الذين يرى فيهم مرادفاً للإرهاب.. لا شيء من كل هذا!
بدا ترامب بعد حلف اليمين وكأنه يستعيد خطابه الديماغوجي الشوفيني التعبوي، خطاب عضلات وقبضة مرفوعة على وقع «أميركا أولاً، وفقط أميركا»، و«معاً سنعيد لأميركا قوتها» و«لأميركا عظمتها» و«لأميركا فخرها وعزتها»... وفي الاقتصاد قدم ترامب وصفات «حمائية» و«انطوائية» داعياً الأميركيين إلى «شراء البضاعة الأميركية» وإلى «تشغيل الأميركيين»، مشدداً على أن يؤخذ علماً بذلك في كل مدينة، وفي كل عاصمة أجنبية.. شعارات رفعها وتوجيهات أطلقها على مسامع المحيطين به خلال الاحتفال من طاقم السلطة والنافذين ورجال الأعمال الذين يتهمهم ترامب بالثراء على حساب الشعب!
هل ينوي العودة إلى نظرية السياسة الانعزالية التي انتهجها سلفه جيمس مونرو الرئيس الأميركي الخامس في القرن التاسع عشر؟ وهل إن «عظمة أميركا» التي يعيد اكتشافها يمكن لها أن تقوم على معطيات ووقائع بحت محلية وأميركية داخلية؟ فهل نزيل البيت الأبيض الجديد يريد فعلاً أن يحصر «العم سام» داخل حدوده متجاهلاً المصالح الأميركية الضخمة والمتشعبة المنتشرة في أنحاء العالم؟
لقد صب الرئيس الملياردير تركيزه بشكل خاص على «الإرهاب الإسلامي»، مؤكداً بوضوح وقوة أنه سيبذل كل جهوده لتوحيد العالم المتمدن من أجل اقتلاع هذا الإرهاب المتفشي من جذوره.. غير أنه، وفي هذا المجال بالتحديد، أي في الشرق الأوسط لن يلقى الطريق معبداً، لأن صداقته المعلنة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ستضعه في نفس الخندق مع إيران، التي تغذي الإرهاب في سوريا، والتي يريد هو أن ينتزع منها قدراتها النووية التي يعتبر أن الاتفاق النووي الذي وقعته مع إدارة أوباما قد منحها إياها.. ثم إن الانحياز الصارخ لإسرائيل وعزمه على نقل سفارة بلاده إلى القدس ليست عوامل مساعدة بدون شك لكسب وإقناع الحكومات العربية والإسلامية بالوقوف إلى جانبه في محاربة «تنظيم الدولة الإسلامية».. إن خطوة تعيين صهره موفداً إلى الشرق الأوسط تؤشر ربما إلى محاولة للاستدراك من قبله تمهيداً لإعادة تموضع ومقاربة أكثر واقعية.
لا بد أن ترامب سيستنتج عاجلاً أن إدارة الحملة الانتخابية لدخول البيت الأبيض تختلف عن إدارة البيت البيض نفسه.. ولعل هذا الأمر بدأ يظهر في تصريحات وأقوال بعض وزرائه خلال شهاداتهم أمام الكونغرس، الذين لم يجدوا صعوبة في الاعتراف بأن «الصديق» بوتين يحاول أن يزعزع «الحلف الأطلسي»، وأن من حق الأوروبيين أن يقلقوا من الحليف الأميركي الذي يبحث عن القلاقل و«التعالي» على الحلفاء بدل أن يسعى لطمأنتهم وتوسيع دائرة التعاون.. كما أن وزير دفاعه الجديد جيمس ماتيس قد تسنى له أن يتأكد على الأرجح، وهو الجنرال السابق، أن بوتين لا يبذل جهداً حقيقياً في محاربة «داعش»!
إنها البداية، والشرق الأوسط هو المحك الفعلي بعد خيارات أوباما المخيبة!
بقلم:سعد كيوان

سعد كيوان