كتاب وأراء

التذاكي المرفوض

هنا صورتان متناقضتان؛ الأولى لشخص كان مدعوا لتناول وجبة غداء في بيت صديق له كان في زيارة إلى بلاده. طاولة الطعام في جانب من الصالة الكبيرة. عندما حان الوقت اختار مقعدا يحرمه من رؤية الصالة. كان حريصا على ألا يكشف ستر بيت صديقه وألا ينظر إلا إلى الجدار، فقد يمر أهله في الصالة فيحرجون، أو يحرمهم جلوسه في المقعد الرئيسي من دخولها. صديقه الذي كان قد دعا - تكريما له - اثنين من أشقائه لحضور المأدبة دعاه إلى الجلوس في الكرسي الرئيسي من الطاولة لكنه رفض بشدة وأصر على الجلوس حيث اختار، فكبر في عيون صاحبه وأخويه وأبنائه الذين أدركوا سبب اختياره لذلك الكرسي. أما الصورة الثانية فلشخص كان قد دعي إلى حفل في بلاد غير بلاده، وتكريما له وإعلاء من شأنه اختار له مضيفه أحد الفنادق الفاخرة ليقيم فيها، لكنه «تذاكي» ساعة خروجه ولم يبلغ المعنيين بالفندق عن مقدار ما استهلكه من «مواد» كانت في ثلاجة الغرفة رغم علمه بأن الدعوة لا تشمل عادة استهلاك ما تحتويه الثلاجة خصوصا تلك «المواد»، وهرب فصغر في عيون كل المدعوين الذين عرفوا بفعلته التي أحرج بها من دعاه وكاد أن يتسبب له في مشكلة أو أكثر.
بطلا الصورتين متساويان في العمر تقريبا لكن تصرف الثاني مؤلم ولا يمت إلى الثقافة الخليجية والإسلامية بصلة، بينما تصرف الأول مفرح ومعبر عن الثقافة الخليجية والإسلامية ومدعاة للفخر. الصورتان انتشرتا، فكبر بطل الصورة الأولى في عيون الناس، واستنكر الناس تصرف «بطل» الصورة الثانية خصوصا بعدما علموا أنه يعرف النظام والقانون جيدا كونه متعلما وربما اعتبر محسوبا على المثقفين، ويفترض أنه يعرف الأعراف والتقاليد والأصول.
نتطور نعم، نتحضر نعم، نتأثر بما حولنا نعم، لكن علينا ألا نتجاوز أخلاقنا التي هي الدين. ليس الحديث هنا عن الصورة الثانية تحديدا ولكنه عن كثير من الصور المماثلة والسالبة التي لم يعد البعض وخاصة الشباب يهتم بملئها بالشكل الصحيح المبني على الأخلاق الإسلامية والمعبر عن العادات والتقاليد الخليجية.
قبل عشرين أو ثلاثين سنة من الآن لم يكن ممكنا اعتبار الصورة الأولى تميزا، ولا اعتبار فعل بطلها مثالا، فالجميع من دون استثناء كان يفعل الشيء نفسه بتلقائية، كان الجميع يحفظ عيونه وأذنه وكل حواسه عندما يدخل بيوت الآخرين لأي سبب. وحتى قبل قليل لم يكن ممكنا توفر الصورة الثانية فلم يكن بيننا من يقبل على نفسه الكلمة الناقصة، ولم يكن بيننا من يسعى إلى «التذاكي»، فينصرف وهو حريص على ألا يترك أي بصمة تسيء إليه أو توفر سببا لانتقاده الذي يدرك جيدا أنه سينجر على بلاده.
الصورة الأولى هي الأصل وهي المعبرة عن أخلاق أهل الخليج العربي، بينما الصورة الثانية دخيلة ولا مكان لها بيننا ورفضها تأكيد على الانحياز للأولى.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن