كتاب وأراء

مطلوب مؤتمر عربي للسلام .. مراجعات للخروج من المتاهات

الأهم من أي مؤتمر عربي- إسرائيلي للسلام أن ينعقد أولاً مؤتمر عربي- عربي للسلام. ففي ظل الأوضاع الجارية حالياً لا يوجد باختصار طرف عربي. الكل بات مشغولا بهمه. وكثير من العرب لم يجدوا تصريفاً لمشكلاتهم إلا على حساب عرب آخرين. ومثلما أن التسوية السلمية مع إسرائيل مستحيلة، تبدو تسوية الخلافات العربية أحياناً وكأنها أيضاً مستحيلة.
ومع هذا وبرغم أن الأوضاع العربية تزداد سوءًا والتناقضات العربية تزداد اتساعاً وعصر الفتن يزداد شراً إلا أن الحل يبقى في يد الدول العربية. فهي المسؤولة عن تسوية ما بينها من مشكلات مثلما كانت هي السبب في تفجيرها.
والمشكلات بينها عديدة. دول تهاجم بعضها بقسوة عبر وسائل الإعلام. ودول تدعم جماعات تهدد أمن دول أخرى. أو تبتز غيرها من أجل المال. أو تخوض غمار حروب أهلية في قلب دول أخرى. أو تذهب إلى إيران أو تركيا أو أثيوبيا لمكايدة دول عربية أخرى. أو تشي ضد بعضها عند أميركا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا. أو تبني ميليشيات طائفية لتطلقها في دول أخرى. أو تعالج ما بينها من خلافات حدود في أسوأ توقيت وبأسوأ شكل. وليس هذا إلا قليلاً من متاهات عربية لم تقع فيها دول المنطقة إلا لبديهيات خالفتها أبرزها تعريف العروبة ذاته.
وقد لفت الأنظار إلى تلك البديهية قبل أيام السيد عمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية الذي قال على هامش مؤتمر «الأمن الديمقراطي في زمن التطرف والعنف»: نحن لا نتحدث عن أمة عربية واحدة، هذا كلام فارغ، نحن نتحدث عن عالم عربي، فيه المسلمون والمسيحيون، والسنة والشيعة، والعرب والأكراد والأمازيغ. وكلام عمرو موسى ليس غريباً. الغريب أنه لم يقله عندما كان في موقعه. ومع هذا فأن يقوله متأخراً أفضل من ألا يقوله على الإطلاق. فقد ذكّر بأهم البديهيات التي لو كانت قد احترمت لما دخلنا في كل هذه المتاهات. فالعرب ليسوا نسيجاً واحداً. وليسوا أمةً واحدة. لا يعيش بينهم ومعهم فقط الأكراد والأمازيغ والكلدان والأشوريون والمسيحيون والشيعة وإنما هم أيضاً متنوعون في اللهجات والعادات والأهم أنهم ينتمون ويدافعون عن دول مختلفة لها مصالح وأولويات متباينة. هذا الخطاب المبالغ فيه عن الأمة الواحدة أفرز تصورات تجاوزت بكثير الإمكانات. فكل دولة كانت وما تزال تعتقد أنها والعروبة سواء وأن سياساتها في خدمة العروبة. أما العروبة فأثبتت بعد أن بدت قدراً أنها كانت أيضاً خطراً ومثلما كانت أملاً باتت كذلك حملاً.
وبسبب مخالفة بديهية تعريف العروبة غرقت المنطقة في متاهات لا خروج منها إلا بمراجعات لست متفائلاً بشأنها لأن الجميع ما زال يواصل الحفر، فضلاً عن أن من لم يعتد على المراجعة تصعب الثقة في أنه سيجريها إن أدرك أصلاً أهميتها. ومع هذا أورد خمس مراجعات مركزية باتت مطلوبة لكي ترسي دعائم سلام عربي- عربي.
الأولى: مراجعة فكرة الأحجام والتخلص من وهم الأخ الأكبر أو الدفع بأن عدد السكان أو حجم المساحة أو عمق التاريخ تعطي وحدها ريادة وأولوية.
الثانية: مراجعة نظم الحكم العربية لسند شرعيتها وإدراك أن الدين وكل صور الأيديولوجيا متى امتزجت بالسياسة إلا وأتلفتها بما فيها السياسة بين الدول العربية. فقبل عقود مثلاً تسببت القومية العربية في أزمات حادة. ومؤخراً أصبح الموقف من الإسلام السياسي سبباً في تجاذبات عربية شديدة.
الثالثة: مراجعة بل ووقف تفويض الأدوات الإعلامية في إدارة العلاقات العربية العربية. فكم غريب ألا يلتقي مسؤولو بعض الدول العربية وجهاً لوجه مفضلين اللجوء إلى وسائل إعلام تحمل بقسوة ضد بعضها. وقد زاد الطين بلة مع انتشار ظاهرة المواطن الصحفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما بات يدعو لأن تأخذ السياسة في يدها من جديد ما فرط فيه الإعلام.
الرابعة: مراجعة مؤسسية تختم صفحة الجامعة العربية لتقبرها بلا بكاء بعد أن باتت بلا معنى وتحولت إلى ساحة سجالات حول السيطرة على هياكلها وأجهزتها.
الخامسة: وهي الأصعب أو مراجعة الإرادة. فالمطلوب التسامي والتمتع بإرادة التنازل للغير والحلول الوسط والنزول بسقف الكبرياء والتخلص من النرجسيات سواء الفردية أو الوطنية.
ولو أن مؤتمراً انعقد بين الدول العربية أخلص لتلك المراجعات لربما تجدد الأمل في تحقيق سلام عربي- عربي. لكن الأبواب في عالمنا العربي عودتنا على ألا تنفتح بسهولة وأن أقصى ما نرجو أن تصبح مواربة. فلعلها تجد من يواربها. فبصيص أمل أفضل من العمى الذي نعيش فيه.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات