كتاب وأراء

لم يعد هناك ما عـُرف بـ «لبنان الأخضر الحلو

أستاذ في العلاقات الدولية متخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

حتى وقت قريب كان بالإمكان أن نطلق على علاقات السعودية بلبنان وصف «النموذجية» لأنها كانت على الدوام متميزة بالتكاتف والتكافؤ، وتفهم الأولى لأوضاع وتركيبة الثاني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، بل حرصت الرياض دوما على وجود لبنان كمتنفس ثقافي وتعددي للعرب قاطبة دون أن تلتفت إلى الإساءات الكثيرة التي تعرضت لها من قبل بعض القوى اللبنانية زمن الحرب العربية الباردة.

أما الأدلة فأكثر من أن تحصى، لكننا نشير فقط إلى جهود السعودية لإخراج لبنان من مستنقع حربه العبثية منذ قمة الرياض السداسية التي دعا إليها الملك خالد في 1976، والتي أثمرت عن إرسال قوات الردع العربية، ثم جهودها الحثيثة للتوصل إلى اتفاقية الطائف في 1989 والتي أمنت لهذا البلد العودة إلى حياته الطبيعية وأنقذت أرواح شعبه من العنف المجنون، ناهيك عما ضخته السعودية من أموال لإعادة إعماره في أعقاب تلك الاتفاقية.

إن حرص الرياض على لبنان، بدأ منذ تعاون البلدين في تأسيس الجامعة العربية في 1944، وترسخ باجتماع رئيس لبنان المستقل الشيخ بشارة الخوري بولي العهد السعودي الأمير سعود بن عبدالعزيز على هامش قمة أنشاص في 1945، وتعزز أكثر باستضافة الملكين عبدالعزيز وسعود للرئيس الأسبق كميل شمعون في الرياض في عامي 1952 و1955 على التوالي حيث تم إرساء علاقات بلديهما الثنائية على مبادئ التعاون والتكاتف والاحترام المتبادل.

كان الهدف من وراء هذه اللفتة السعودية هو الحفاظ على عروبة لبنان وديمونة كيانه الهش وسط الأعاصير الإقليمية والدولية، وعدم السماح باستغلاله كمخلب قط ضد أشقائه العرب من خلال استغلال نظامه الليبرالي التعددي.

وقد تحقق ذلك للمملكة حينما كان في السلطة زعماء لبنانيون أفذاذ من أمثال الرؤساء كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل الحلو، ووزاء خارجية يقودون الدبلوماسية اللبنانية بحكنة وخبرة الكبار من أمثال شارل مالك وفيليب تقلا وحسين عويني وسليم الحص وفؤاد بطرس وغسان تويني. لكن المعادلة تحولت إلى النقيض حينما سطا عملاء طهران ومن يوالونهم على مقدرات الحكم في بيروت، ونصبوا على رأس الدبلوماسية اللبنانية فتى غر كل مؤهلاته أنه صهر الجنرال المتحالف مع حزب الله.

وهكذا كان انسلاخ لبنان عن الجسد العربي، وطعن ظهيره العربي المتمثل في السعودية وشقيقاتها الخليجيات، والاصطفاف إلى جانب أعداء العرب في المحافل العربية والإقليمية متوقعا. كيف لا وصاحب الثلث المعطل لقرارات حكومته لا يجد حرجا في القول أنه جندي من جنود الولي الفقيه في طهران، وأن أجندته «لا تقضي بتحويل لبنان إلى دولة إسلامية، وإنما تحويله إلى جزء من الدولة الإسلامية الكبرى التي يقودها صاحب العصر والزمان».

وإذا كانت فترة الخمسينات والستينات في التاريخ اللبناني المعاصر والتي انتهت بالحرب الأهلية الأولى في 1958، قد برهنت على استغلال لبنان كساحة للصراعات العربية العربية إلى درجة أن سفير القاهرة في بيروت «عبدالحميد غالب» كان يـُطلق عليه اسم «المقيم السامي» و»صانع الملوك»، فإن حقبة السبعينات، التي كنتُ شاهدا عليها بحكم إقامتي في بيروت كطالب، تميزت بالتصفيات الجسدية بين الفرقاء العرب، واستخدام إسرائيل للساحة اللبنانية لتصفية معاريضها من الفلسطينيين الذين قاموا بدورهم بتصفية بعضهم بعضا مستغلين انفلات الأمن ونشوء الدويلات الفلسطينية المسلحة ضمن الدولة اللبنانية الهشة أصلا. لكن الحقبة الحالية، وعلى النقيض من سابقاتها، سمحت بظهور دويلات منسلخة عن هويتها العربية ومؤتمرة بامرة الأجنبي المعادي للعرب والعروبة، بل ومنفذة لخططه التدميرية والإرهابية في أكثر من بقعة عربية، ولاسيما في دول الخليج العربية

بقلم د.عبدالله المدني.

د. عبدالله المدني