كتاب وأراء

تايوان ترقص فرحاً بقدوم ترامب

منذ انفتاح واشنطن على بكين في عهد الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون، وتأسيس البلدين لعلاقات دبلوماسية كاملة، وما تلا ذلك من تقليص واشنطن لروابطها مع تايوان، واحتلال بكين لمقعد الصين الدائم في مجلس الأمن، وتتابع دول العالم على سحب اعترافها من تايبيه لصالح بكين.. مذاك وتايوان تعيش في عزلة دبلوماسية، بل إن هذه العزلة راحت تصاحبها تدريجياً عزلة تجارية واقتصادية كنتيجة لبروز الصين كقوة اقتصادية عالمية مؤثرة. وقد بذل قادة تايوان شتى المحاولات، علهم ينجحون بشكل من الأشكال في العودة إلى الساحة الدولية، غير أنهم لم يوفقوا في معظم الأحايين، فاكتفوا بما هم عليه من رخاء وازدهار تحقق في الستينات والسبعينات.
اليوم يتجدد الأمل لدى التايوانيين لجهة احتمال استعادتهم لوهج مضى ومكانة تضعضعت، خصوصاً بعد أن أقدم الرئيس الأميركي المنتخب ترامب على ما لم يقدم عليه أحد من أسلافه منذ الرئيس جيرالد فورد.. والإشارة هنا هي إلى الاتصال الهاتفي بين ترامب ونظيرته التايوانية «تساي اينغ وين» بـُعيد فوز الأول في الانتخابات الرئاسية.. ذلك الاتصال الذي جن معها جنون بكين وعدّه قادتها خرقاً لأحد مبادئ الدبلوماسية الأميركية منذ 40 عاماً (منذ اعتراف واشنطن بالنظام الشيوعي في بكين في 1979 وسحب اعترافها تلقائياً من تايبيه، جرى العرف على ألا يجري أي رئيس أميركي في السلطة أو رئيس أميركي منتخب اتصالات بزعماء تايوان) تجنباً لإغضاب الصين، وتأكيداً على قبول واشنطن بـمبدأ الصين الواحدة الذي ينطوي على اعتبار تايوان إقليماً صينياً مارقاً يجب استعادته بالقوة إنْ لزم الأمر.
وقد تجلى غضب بكين من تصرف ترامب في مقالات وتعليقات عديدة نشرتها الصحف الصينية التي وصفت ترامب بـ«جاهل في الدبلوماسية تماماً كطفل صغير»، وحذرت من أنه إذا دعمت واشنطن استقلال تايوان وزادت مبيعات الأسلحة لها، فإن الصين قد تقدم الدعم المعنوي أو العسكري لقوى معادية للولايات الأميركية.
ولعل ما زاد من فرح التايوانيين، وأغضب الصينيين في المقابل أن ترامب رد على الانتقادات الصينية الموجهة إليه بتصريح هدد فيه باحتمال استئناف علاقات بلاده المقطوعة مع تايبيه، ومؤخراً تم السماح للرئيسة التايوانية التوقف في ولاية تكساس الأميركية وهي في طريقها إلى أميركا الوسطى لحضور حفل تنصيب الرئيس النيكاراغوي الجديد، على الرغم من تهديدات ووعيد القادة الصينيين.
والتايوانيون، بطبيعة الحال، خير من يعرف أن إبرام اتفاق أميركي- صيني حول القضايا المختلف عليها، وعلى رأسها التبادل التجاري والسياسات الحمائية وملف الشركات الأميركية المهاجرة إلى الصين لن تكون عملية سهلة في ظل إدارة ترامب المعروف عنه خبرته الطويلة في مفاوضات المال والأعمال وصفقاتها.. كما أن ترامب لن يكون ذلك القائد المتردد (كسلفه أوباما) فيما يتعلق بالطموحات العسكرية الصينية في المحيطين الهندي والهادئ، والتي ظهرت تجلياتها مؤخراً في عرض البحرية الصينية لعضلاتها في بحر الصين الجنوبي من خلال تسييرها لحاملة الطائرات «لياوننغ» وقيامها باختبار مقاتلاتها الجديدة من نوع «FC31».. فترامب التزم أمام شعبه أن يعيد لأميركا صورتها كقوة عظمى فعلية بعدما سلبها أوباما تلك الصورة بسياساته غير الحاسمة، وبالتالي فالمتوقع منه ألا يصمت إزاء بكين على نحو ما فعله أوباما إزاء موسكو.. كما ينتظر منه أن يثير موضوع تلكؤ بكين في عزل نظام بيونغيانغ عن العالم.
على أنّ هناك من المحللين من يرى أنّ على تايبيه ألا ترقص فرحاً، وأنْ تدرك أنّ ترامب يعرف إنّ مسألة تايوان ذات حساسية بالغة للصين، وبالتالي فهو ربما يستخدمها كورقة تفاوض على أمل الحصول على تنازلات من بكين في القضايا التجارية والعسكرية.. وهناك من يحذر تايوان من المراهنة على تصريحات ترامب لجهة كسر عزلتها، موضحاً أن ترامب لايزال شخصية غامضة، مندفعة، تطلق كلاماً فضفاضاً. لكن ثعلب الدبلوماسية الأميركية العتيد «هنري كيسنغر» يجد في غموض سياسات ترامب حيال العديد من الملفات الدولية والإقليمية فائدة كبيرة وفرصة عظيمة لواشنطون كي تستعيد نفوذها وتمسك بزمام المبادرة، وذلك طبقا لما ذكره في مقابلة له مع شبكة CBS الإخبارية.. وربما أراد كيسنغر بكلامه هذا أن يقول: «إن الغموض مطلوب لتشتيت انتباه الخصم وجعله يضرب الأخماس في الأسداس إزاء ما أنت مقبل عليه».
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني