كتاب وأراء

الخرطوم وواشنطن .. الأمن أولاً

- 1 -
الدبلوماسيُّ الأميركيُّ الذي كان يتحدَّث في الخرطوم، بثقةٍ وشيءٍ من الغرور، مع عدد من الصحفيين، كان يُعبِّرُ عن موقف حكومته بكُلِّ صراحة ووضوح، من التجاذبات بين الحاكمين والمعارضين في السودان. قالها لهم: (أميركا تتعامل مع المجموعة الأقوى على الأرض، قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان يجب أن تكون أولوية للسودانيين وليس للأميركيين، نحن أولويتنا في المنطقة الأمن ومكافحة الإرهاب)!
- 2 -
أنهت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أيَّامها الأخيرة في البيت الأبيض، بإصدار قرار لم يكن متوقعاً أن يتم بتلك الصورة الواضحة والخالية من الالتباس والمناورة.
قرار رفع العقوبات المفروضة على السودان منذ ثلاثةٍ وعشرينَ عاماً، هو الحدث الأهم في السودان والإقليم، لذا تنشغل بحيثيَّاته وتداعياته، أغلبُ الدوائر الحكومية والشعبية والإعلامية المحلية والخارجية.
العقوبات الأميركية القاسية المفروضة على حكومة الرئيس عمر البشير في حقبتَيْ الرئيسَيْن بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، ظلَّت تُمثِّلُ العبء الأكبر على الاقتصاد السوداني، فقد أقعدته عن النُّمُوِّ والازدهار وضاعفت معاناة المواطن السوداني في معاشه اليومي.
- 3 -
العقوبات الاقتصادية المُحكَمة، أخرجت السودان من دوائر الاقتصاد العالمي، ليصبح اقتصاداً معزولاً ومحدود القدرات، رغم إمكاناته الوافرة.
في عالم اليوم إذا غضبت عليك أميركا، غضب عليك العالم أجمع، أو تعامل معك بحذر. الولايات المتحدة الأميركية في عالم اليوم في مقام بني تميم في عصر مضى، ألم يقل شاعرهم جرير:
إذا غَضِـبَـتْ علـيـكَ بـنـو تـمـيـمٍ
حَسِبْـتَ الـنـاسَ كُلَّـهُـمُ غِضَـابـا.
- 4 -
ما كان ملفتاً في القرار الأميركي هو نفاذه الفوري، حيث درجت الولايات المتحدة الأميركية أن ترفع العقوبات عن الدول المُعاقَبة، على مهل وبتريث، في مدى زمني غير قصير، وهذا ما حدث مع كوبا وإيران أخيراً.
فورية تطبيق القرار تعكس مدى رضا إدارة أوباما عن مستوى التزام السودان بما عليه من واجبات أملتها خريطة الطريق. خريطة الطريق التي وضعتها لجنة مشتركة بين إدارة أوباما وحكومة عمر البشير هي التي مهَّدت لصدور هذا القرار.
- 5 -
عززت فرص نجاح تلك اللجنة الثنائية، متغيرات دولية وإقليمية، جعلت من استقرار السودان وحماية سلطته المركزية من الانهيار جزءاً من الأمن الإقليمي والعالمي.
نقطة التحول المركزية في علاقة الخرطوم بواشنطن، كانت حينما امتنع جهازُ الأمن والمخابرات السوداني من التعامل مع الـ(سي آي إيه) في مشروع مكافحة الإرهاب، نسبةً لعدم إيفاء الإدارات الأميركية بالتزاماتها.
اختارت المُخابرات السودانية الوقت والظرف المناسب لجَرِّ الولايات المتحدة الأميركية لنقطة التعاطي المتبادل.
في السابق، كانت الحكومة السودانية تُعطي ثم تنتظر على مقعد قلق، المُقابلَ من الأميركان، فلا تنال سوى الخيبة والخسران!
في الاجتماعَيْن السريَّيْن اللذين عُقِدَا بين مدير المخابرات السودانية ومدير الـ(سي آي إيه)، وُضِعَتِ العلاقةُ لأول مرَّةٍ في مسار التعاطي (هات وخذ).
اعتبارات الأمن هي التي تقود العالم اليوم، وتُحدِّدُ نسق علاقاته وصلاته ومسار التحالفات، من يتعاون مع من؟ ومن يقف ضد من؟ لمصلحة من؟!!
أميركا الآن تُحالف إيران في العراق وتناصبها العداء في سوريا!
- 6 -
واشنطن إلى وقتٍ قريبٍ كانت تَعتبرُ حكومةَ الخرطوم تُمثِّلُ أكبرَ مُهدِّدٍ للأمن القومي الأميركي في دول جنوب الصحراء.
ذكر الباحث في الكونقرس الأميركي، تيد داقني، القريب من الدوائر المعادية للسودان: (إن الدوافع الحقيقية للنخبة الأميركية التي تجعل من السودان شغلها الشاغل هو سعيها لتفكيك الدولة التاريخية المركزية التي تتحكم فيها الأقلية العربية المسلمة التي أفرزت حكومة الإنقاذ برئاسة عمر البشير كأحد أبرز تمظهرات وتجليات المشروع العروبي الإسلامي في السودان).
الآن تغير الوضع تماماً.
-أخيراً-
السودان أصبح من أهم مرتكزات الأمن الإقليمي في جنوب الصحراء، واستقرار دولته المركزية أصبح هدفاً وغايةً دولية!

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال