كتاب وأراء

مواقف

دائماً نقول إن المواقف تُبين الإنسان على حقيقته والإنسان يُعرف بأفعاله لا أقواله، وان كنّا نتحدث فعلينا ان نترجم المفردات لفعل بل وتكون افعالنا ترجمه لما نعد به أو نقوله، ان احترام الإنسان احترام للإنسانية، وحالات موت الضمير الإنساني الكثيرة سببها اختلال الموازين عند أصحابها، والتباس المفاهيم، واختلاط الصح والخطأ، فلم يستطيعوا التمييز بين الإنسان وبين الكائنات الحية الأخرى، ولم يحكِّموا الضمير «الرقيب الداخلي»، الذي من المفترض أن يكون الدليل والمرشد، فموت الضمير الداخلي هو الإخلال بالمسؤولية، وتحقيق الإنسانية لا بد أن يجد الإنسان نفسه في الآخر، فلا معنى لوجوده إلاّ مع الإنسانية الشاملة، التي تحقق عمق وجوده دون أن يهمش إنسانية غيره، فلا يُظن أن قواعد السلوك الإنساني مستمدة من العرف العام للمجتمع، وأن تطورها وتبدلها نتيجة لتأثير التجارب الإنسانية، الصحيح أن الإسلام هو الذي ارتقى بالنفوس من خلال توجيهها القيم الأخلاقية والمبادئ، وترجمتها لسلوك واقعي عن طريق التربية الإسلامية، التي تبني إنسانية الإنسان بغض النظر عن خصائصه الوراثية.
والإسلام يفرض تحقيق الإنسانية لتتجاوز حدود المجتمع، حتى تصل إلى الإنسانية العامة، والانتماء للعالم كله، وعالمية الإنسان مبدأ يحقق احترام الإنسان وتقديره، وكل إهانة تلحق بالإنسان تلحق بالجنس البشري كله، فالإنسانية - كما أُثبتتْ- ليست مجرد فطرة جاهزة التحضير، وإنما هي حس روحاني يحتاج للعناية والتنظيم ليكبر ويرتقي ويصبح مبدأ يحيا به البشر.
ولا ننكر أن تربية صالحة أنبتت إنسانية مسؤولة لا تتحكم فيها الغرائز والأهواء، تعرف ما يعنيه ماضيها وما يفرضه حاضرها، وحجم ما تعدّه للمستقبل، مسؤولة عن علاقتها بالآخرين، وتقدم كل ما تستطيع تقديمه لتسعد الجميع، بل وتعين وتتعاون بكل ما تصلح به الحياة، وتسعد به النفوس، وتعمل بنقاء الضمير، وتعيش للجميع، للمجتمع والوطن، محققة أسمى الأهداف، بنبل الأخلاق وسمو المبادئ، في كافة المجالات المختلفة، وتمثل الإنسانية المجردة، وبمناسبة الحديث عن الإنسانية ألم تسمعوا عن «الميت الحي»، أنا أسميته هكذا، فحولنا يوجد الكثير من الموتى يتحركون ويأكلون ويشربون ويتحدثون ويضحكون ويبكون لكنهم موتى، هؤلاء موتى الضمير وموتى الإحساس، ممن يمارسون الحياة بلا حياة،
بشر غير البشر لا نعرفهم يعيشون معنا على هذه الأرض ولكنهم غرباء عنا رغم هذا التباعد الذي لا يجمعه سوى تشبيه الصور فإننا نتعامل معهم ونحفظ ملامحهم لنكتشف حقيقة أنهم خارج كل المقارنات وأدنى من مستوى الكلمات، وليس من الضروري أن تلفظ أنفاسك ويتوقف قلبك عن النبض ويتوقف جسدك عن الحركة كي يقال عنك أنك مت وفارقت الحياة، فالأموات الأحياء كثيرون جدااا ولم يعد المعنى الحقيقي للموت هو الرحيل عن هذه الحياة، هناك من يمارسون الموت بطرق مختلفة، ويعيشون كل تفاصيل الموت وهم ما زالوا على قيد الحياة، يموتون بلا موت ويحيون بلا حياة، فلماذا نهتم بالروح ما دمنا قد ألغينا ذواتنا وإنسانيتنا ولم يعد لدينا المقدرة لوضع حد للمعاناة، ولم تعد لدينا الجرأة كي ننظر لمستقبلنا خوفاً من الثمن الباهظ الذي سيدفع في زمن متأرجح ومخيب للآمال، لذلك لا نستطيع أن نخدع الحياة حتى وإن عزلنا أنفسنا وانفردنا بأنفسنا، لا يمكننا الهرب والتعالي على الجراح والألم، وأجمل ما أقول الله لا يجيب الألم، ودمتم.

بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل