كتاب وأراء

الإجابة الصحيحة

بحسب اثنين من أكبر علماء النفس في بريطانيا «مايرز & توينجي» فإننا -كبشر- كلنا بالسليقة علماء نفس لوجود نزعة لا تقاوم لدى الفرد لتفسير سلوكه وسلوك الآخرين بشكل سريع يساعد على اتخاذ مواقف بإزاء التصرفات التي نواجهها آنياً، بإرجاع التصرف الذي يقوم به أحدهم لسبب ما.
وهذا الميل لتفسير السلوك يساعد المرء على توقعه ومن ثم السيطرة على المواقف الحياتية لاحقاً سواء بمواجهته أو بتجنبه، بغية النأي عن الإساءة أو الوقوع في الضرر.
فقد يتحدد رد فعل أحد الزوجين حيال تعليق جارح من شريكه أو ما يسمى بالـ «ِAcide comment»
مثلاً: «ألا يستطيع هذا الكائن وضع أحذيته في مكانها يوماً؟»
بترجمته إلى «هذا الإنسان حاد وغير صالح للتعامل الآدمي»
على أن شريكا آخر قد يسمع التعليق ذاته، فيفهمه على هذا النحو: «من الواضح أن زوجي قد أمضى يوما شاقاً بعمله»
الأول استسهل إدانة ودمغ الشخصية بخصال ثابتة لها صفة الديمومة في تصرفاته ما سيؤثر سلباً على نزعاته في التعامل معه لاحقاً مما ينبئ بمشاكل قد تؤدي لتقويض العلاقة الزوجية.
أما التفسير الثاني فقد حصر الإهانة في سياقها بالأخذ في الاعتبار الضغوط اليومية التي يتعرض لها المرء ما قد يبشر باحتواء الموقف سيما لو لم يتكرر بشكل يعنون ان هذا المرء ديدنه التسفل.
والمشكل بحسب «مايرز» أنه قلما يتمكن المرء من التحكم في رؤيته للأمور التي تخضع غالباً للحدس والانطباعية. هذا الحدس يشكل مخاوف الفرد ويجسدها بل يضاعفها بناء على ما استند عليه من فهم في العقل اللا واعي.
وقد صرح فرويد بأن التفكير يحدث سريعاً في كواليس النفس thinking occur offstage»
بشكل إرشادي، عفوي واستدلالي عن طريق العواطف الفورية والاتصال غير اللفظي والتعامل مع المواقف على مستويين واع وآخر فاقد للوعي وآلي.
وقد أشار إلى هذه «المعادلة المزدوجة» عالم النفس «دانيال كانيمان» صاحب الجملة الشهيرة
” We know more than we know we know»
المعضلة الحقيقية في اننا نميل لتفسير المواقف تفسيراً فطرياً بالحس السليم Commen sense
والغريب أننا لا نستخدم هذا الحس إلا لاحقاً بعد تيقننا من النتائج فتظهر الجملة الشهيرة «كان قلبي حاسس» أو «كنت شاكك، لكن متأكد»
فبحسب مايرز «Events are far more “obvious” and predictable in hindsight than beforehand»
أي ان الأحداث تكون أشد وضوحاً بالإدراك المتأخر، فحينما يـتأكد الإنسان قطعياً في النتائج، فيشعر ان الموضوع كان بديهيا للغاية!
فكم من امتحان اجريته ثم تخرج من القاعة واثناء مناقشتك زملاؤك تدرك الإجابة الصحيحة دون أن يخبرك أحد، فتتأكد أنك اجبت خطأ رغم أنك كنت تعلم الإجابة الصحيحة لكن أدركتها بعد فوات الأوان!
كم موقف مر عليك وخرجت منه ثم قلت لنفسك «كان على ان أرد بهذا القول اثناء الموقف» على أنك لم تستدعى الإجابة الصحيحة في حينها!
كم من طبيب درس ست سنوات بالطب ليهجره ويختار العمل بمجال الأدب لأنه أدرك طريقه متأخراً.
وكم من مريضة متعلمة ذهبت لطبيب وكشفت لديه، ثم هالها ما سمعت عن سوء سمعته لاحقاً، ففهمت أن كشفه لها لم يكن لأغراض طبية!
فكثيراً ما تنهض قوة السند الاجتماعي لتقودنا لإجراء تصرفات تخالف قناعاتنا وقلما نفهمها الا لاحقاً.

داليا الحديدي