كتاب وأراء

إدارة ترامب .. الحاضر الغائب في القمة العربية


وفقا للإجراءات المعتادة هناك قمة عربية في مارس المقبل بالأردن. كالمعتاد أيضا هناك قائمة من القضايا معروفة سلفا تتكرر من قمة إلى أخرى. ولكن هذه المرة الأمور جد مختلفة، لأن ترامب هو الحاضر الغائب في هذه القمة. فقد أدى وصوله للبيت الأبيض إلى وقوع «تسونامى سياسي»، تداعياته لم تتوقف منذ اللحظة الأولى على الداخل الأميركي، وإنما امتدت إلى العالم الخارجي الذي تعد المنطقة العربية الجزء الساخن منه.
أمام ما حدث لا تملك القمة العربية رفاهية تجاهل الشأن الأميركي الجديد، بل تجد نفسها مضطرة بحكم الضرورة أن تضعه في صدر اهتماماتها ليصبح مسيطرا على النقاش والمواقف.
أميركا ترامب المختلفة في توجهاتها الخارجية والداخلية عن سابقتها تشكل أولى الصعوبات في صياغة المواقف العربية منفردة أو جماعية من السياسات الأميركية المقبلة. ولكن الصعوبة الأكبر تكمن في أسلوب الإدارة الجديدة القائم على المساومة والصفقات والسرية والفجائية في اتخاذ القرار، لا على المبادئ والقيم والصراحة والوضوح والشفافية. لدينا رئيس أميركي يأتي للمرة الأولى من خارج المؤسسات أو ما يسمى بالدولة العميقة، وهو رجل أعمال ملياردير لا دراية له بالسياسة جاء إلى البيت الأبيض محملا بعداوات متعددة من أجهزة الدولة العميقة ومن الإعلام. وما يستفاد من ذلك أن صانع القرار في المنطقة العربية أمامه التعامل مع رئيس أميركي مأزوم داخليا على غير المعتاد بالقياس للرؤساء السابقين، ومن ثم يصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل التعامل معه أو المساومة وعقد الصفقات معه بوصفها الأسلوب المفضل عنده.
كما ألقى ترامب بصعوبة أخرى على الطاولة لكي يبقى وحده صاحب القرار المفاجئ.. هذا الفريق جاء متنوعا، فهناك من يريدون الحفاظ على تقاليد الخارجية الأميركية القائمة على الوفاء بالتزامات الولايات المتحدة الدولية.وهكذا اختار ريكس تيلرسون وزيرا للخارجية المعروف عنه صداقته لروسيا!. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ضم فريقه شخصيات مسؤولة عن الدفاع على رأسهم جيمس ماتيس كوزير للدفاع وهم يريدون الحفاظ على تحالفات الولايات المتحدة العسكرية الخارجية.. ومن جهة ثالثة ضم الفريق شخصيات متشددة من ناحية الوازع الديني مثل مايكل فلين الذي اختاره مستشارا للأمن القومي ومعروف عنه عداؤه لما يسمى بالإسلام السياسي. والقصد من هذه التشكيلة التي تبدو متناقضة مع بعضها البعض هو أن تتعزز فرص ترامب في المساومة السياسية، فإذا انفتح على روسيا مثلا يستخدم الأشخاص المتحمسين لذلك، وعندما تفرض عليه موسكو مالا يريده يدفع إلى الواجهة بالمناوئين لذلك (وزارة الدفاع). وقد تبدو سياسة متوازنة،ولكنها معقدة ومتشعبة مما يجعل الطرف الأخر كحالة صانع القرار في المنطقة العربية مثلا كمن يسير في حقل من الألغام.!
المشهد الأميركي أمام الحاضرين للقمة العربية المقرر عقدها في مارس المقبل معقد للغاية. هناك الشحيح من الأفكار التي رشحت من إدارة ترامب حول قضايا المنطقة العربية وكلها لا تبعث على الاطمئنان من الوهلة الأولى.. انحياز مبالغ فيه إلى إسرائيل، ولا تعتبر الأسد هو المشكلة وإنما الجماعات الجهادية وتترك الملف السوري برمته لروسيا وإلى حد ما لتركيا، وتضع الأولوية للقضاء على داعش دون أن تعلن سياسة أو دور أميركى محدد في هذا الصدد.
الأطراف العربية المشاركة في القمة مجبرة على أن تتصدى لهذا الملف الجديد، أي كيفية التعامل مع إدارة أميركية مختلفة إلى حد كبير عن سابقتها، إدارة مستقبلها السياسي غير مضمون، والتاريخ الأميركي شهد حوادث تؤكد ذلك (اغتيال أو إقصاء من جانب الدولة العميقة)، وبنفس الأهمية يمكن لهذه الإدارة أن تستمر خصوصا في ظل سيطرة مطلقة من الجمهوريين على مجلسى الكونجرس. نعم هناك ضرورة للحظر والتروي، ولكن هناك خطوات «للمناعة السياسية» يتعين على المشاركين في قمة الأردن أن يتفقوا عليها حماية لأنفسهم فرادى أولا، وكجماعة واحدة ثانيا.
بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد