كتاب وأراء

مسلسل الضرر الإلكتروني الكبير!

إنَّ التقنيات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة بالهواتف النقالة حوّلت المواطن العادي إلى صحفي يحاول الحصول على سبق خاص به لنشره على صفحته على الفيسبوك وغيره من وسائل الاتصال الاجتماعي المختلفة دون مراعاة قواعد العمل الصحفي المتبعة في مثل هذه الحالات، خاصة أن الهوس بحصد الإعجابات والتعليقات على منشورات المواقع الاجتماعية أبعدت البعض عن الجانب الإنساني والعاطفي، فهم يعتقدون أنهم سجلوا مواقف بطولية بتصوير مشاهد مروعة للحوادث والجرائم التي يصادفونها في الطريق، مما يعرض أهالي المتضررين بالحادثة إلى ضرر بالغ نتيجة انتهاك خصوصيتهم، ويزيد مأساة المصابين وفاجعة أسر المتوفين، خاصة أن أكثر من 90 % من صور الحوادث والمصابين والمتوفين تكون بغير رضا المتضررين، ومما لا شك فيه أن ظاهرة تصوير ضحايا الحوادث والتباهي بنشرها، هي ظاهر تستدعي وقفة دينية واجتماعية لنبذها، ووقف مسلسل استباحة عورات الضحايا ومشاعر عائلاتهم من قبل هواة وثقوها دون وازع ديني أو أخلاقي.
إن هذه الظاهرة الجديدة تدخل في ما يسمى علمياً بالتنمر الإلكتروني وهو استخدام الإنترنت والتقنيات المتعلقة به من أجل إيذاء أشخاص آخرين بطريقة متعمدة ومتكررة وعدائية، ولأنها أصبحت أكثر شيوعاً في المجتمع خاصة بين الشباب فقد تم وضع تشريعات وحملات توعوية لمكافحتها محلياً ودولياً، كما يدخل في ضمن التنمر الإلكتروني كل الشائعات والأقاويل والتلفيقات التي تنشر بين الحين والآخر على جميع منصات التواصل الاجتماعي من أجل ترويج الدعابة أو السخرية أو زعزعة الاستقرار أو حتى من أجل أهداف أخرى على سبيل الكذب والتلفيق.
قارئي العزيز؛ إنه على الرغم من فاعلية شبكات التواصل الاجتماعي في نقل الأحداث بشكل آنٍ، فإنها في المقابل بيئة خصبة لنمو الشائعات، فبقدر ما تتعدّد منصات النشر، بقدر ما تزيد المسؤولية في البحث عن المصدر الأصلي للخبر للتأكّد من مصداقية المعلومة، وتعتبر سهولة إنتاج ونشر، وإعادة نشر المعلومات ومشاركة التحديثات بأيسر السبل، وأقلها كلفة، وفي فترة زمنية وجيزة من الأسباب المساهمة في سرعة انتشار «الشائعة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كذلك تساهم في جعل قدرة التحكّم في المحتوى الإلكتروني ضئيلة جداً، يُضاف إلى ذلك صعوبة مراقبة المحتوى الذي يتمّ نشره من قبل المواطنين الصحفيين عكس واقع الحال في الصحافة التقليدية، ويُسجّل ارتفاع في نسب انتشار الشائعات عبر شبكات التواصل الاجتماعية كلّما كانت المواضيع محل النقاش متعلقة بالقضايا الإنسانية والعرقيّة والدينية، أو متناولة لشخصيات عامة.
إن هذه الظاهرة تسببت بالضرر النفسي والمعنوي للعديدين، خاصة أنها مرتبطة بظاهرة أخرى هي التجمهر حول الحوادث والتقاط الصور للضحايا والمصابين ومن ثم نشرها على مواقع الشبكة العنكبوتية، وهذه الظاهرة ازدادت مع انتشار ثقافة التصوير بالجوالات، وهي لا تضر بالمصابين فقط، بل تعيق عمل رجال الإسعاف والجهات الطبية والأمنية والحركة المرورية في مسار الحادث والمسار المقابل والقريب أيضاً، فيجب على هيئات المجتمع المختلفة إعداد برامج توعوية وحملات تثقيفية حول سلبيات تصوير الحوادث واقتحام خصوصيات المصابين والمتوفين فيها.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي