كتاب وأراء

جدلية الهوية: العرب في عالم يتغير

ارتبطت خطط العمل على تهافت هوية الدولة الوطنية، بنظرية بدأت تبرز خطوطها في أوائل التسعينيات، تروج لمعنى انتهاء عصر الدولة القومية، واتجاه هويات تعيش في هذه الدولة، كأحد مكوناتها، لكي تنشق عن دولتها الأم، وتقيم لنفسها كيانا يخصها.
وترافق مع هذه النظريات، ظهور المنظمات الإرهابية، وتوجهها في نفس المسار، والتي ترفض فكرة الوطن، وتكفر بالقومية، وتنادي بكيان منشق أسمته أحيانا «الولاية»، ينسلخ عن الدولة، ويمزق نسيجها الوطني التاريخي.
وفي عالم تتغير فيه السياسات الخارجية، ويعاد فيه النظر إلى المفاهيم القديمة للأمن القومي، بحيث امتلكت القوى الخارجية رؤية متغيرة، تتمشى مع التغييرات في العالم، فقد ظل العرب وقوفا في أماكنهم، بينما يتحرك الآخرون الذين جهزوا أنفسهم بالقدرة على التحرك والتصرف حتى في أخص الشؤون العربية. وأخر مثال على ذلك ما حدث في لقاء في موسكو يضم قادة روسيا، وإيران، وتركيا، ليبحثوا شأنا عربيا هو الحال في سوريا. وكأن الطرف الأصيل في هذه القضية ليس موجودا.
وإذا كان الترويج لأفكار نهاية عصر الدولة القومية قد بدأ في أوائل التسعينيات، فقد سارت موازية لها خطوات عملية، كانت خططها وأفكارها قد وضعت قبلها بسنوات. منها على سبيل المثال، غزو العراق 2003، والتي كانت خطتها العملية قد وضعت في عام 1992، ولما لم يتسن لواضعيها تنفيذها، فقد احتفظوا بخطتهم في حقيبة أوراق وزير الدفاع ديك تشيني في ذلك الوقت لمدة إحدى عشرة سنة، إلى أن يحين الوقت المناسب لوضعها موضع التنفيذ. وهو ما كانت مجلة «تايم» الأميركية قد نشرت تفاصيله في تقرير مطول على تسع صفحات، وشارك في كتابته ستة من كبار محرريها.
وهذا يكشف أبعاد صناعة السياسة الخارجية، باعتبارها ليست موقفا يتخذ كرد فعل لأزمة أو خطر قائم، لكنها جزء من منظومة استراتيجية شاملة، لتحقيق مصالح أو طموحات القوى الكبرى، في منطقة إقليمية في العالم. فالفكرة غرست في تربة السياسة، وتركت لتنمو وتتفرع إلى أن يحين وقت قطف ثمارها، عندئذ يتم البحث عن أسباب ومبررات لإطلاق الخطة، بالحرب، أو الغزو، أو أي إجراءات متشددة أخرى. أو حتى بافتعال ظروف تسمح بإيجاد هذه المبررات.
وهذا يوضح كيف أن الاستراتيجيات العالمية للدول، لا تحصر نفسها في دائرة ضيقة تتعلق بالنظر إلى الواقع القائم، وما يتضمنه من تحديات تتسع رؤيتها لتحيط بآفاق المستقبل، ولما يمكن أن يواجه الدولة من أخطار، حتى ولو لم تكن ظاهرة، بل يمكن أن تكون في عداد الاحتمالات، سواء كانت احتمالات متوقعة، أو حتى مستبعدة. لأن الواقع الدولي بطبعه ليس ثابتا، بل هو متحرك ومتغير.
وإذا لاحظنا أن مفاهيم السياسات الخارجية للدول، قد طرأت عليها تغييرات كبيرة في السنوات القليلة الماضية، نتيجة انتقال العالم من عصر الثورة الصناعية، إلى عصر ثورة المعلومات، والمعرفة، والتطور التكنولوجي المتسارع، مما دفع القوى الكبرى إلى تعديل مفهوم التحديات المستقرة للأمن القومي، والانتقال بوسائل تحقيق أهدافها في مناطق العالم، إلى أنماط أخرى غير الوسيلة التقليدية القائمة على المواجهات العسكرية المباشرة، وهو ما تطلب الأخذ بوسائل الوكلاء المحليين، ابتعادا عن الظهور عند خط المواجهة، وكذلك ابتداع الخريطة الجديدة لحرب الجيل الرابع، بكل ما تشمله من وسائل الحروب النفسية، وإشعال الصراعات الداخلية في المجتمعات المستهدفة. وقد دفع ذلك بعض القوى الإقليمية – خاصة في آسيا – إلى المسارعة إلى تعديل مفاهيمها التقليدية للسياسة الخارجية، حتى لا تكون في موقف يجعلها مكشوفة أمام إرادات وضربات الآخرين، وبالتالي تمكنت هذه الدول من إنجاز التقدم تنمويا، وبحيث صارت القوى الكبرى تحسب لها ألف حساب.
إن العالم ليس في ثبات، بل أن هناك دولا إقليمية، تغير من أنماط علاقاتها التقليدية، بما يحمى كيانها كدولة قومية من التفكك، ويحافظ على الهوية الوطنية للدولة.
يبقى أننا في عالمنا العربي، نحتاج بصورة عاجلة، إلى أن تكون لنا رؤية استراتيجية متجددة، تستوعب كل ما يجرى في العالم من تحولات، وما يطرأ على السياسات الخارجية للقوى الدولية من تغيير، لابد بالضرورة أن تكون له آثاره علينا.
.. يحتاج عالمنا العربي أن ينظر إلى نفسه، ويرى ما يحتاج إليه من تغيير في رؤيته لذاته، وللعالم المتغير من حوله، ولكي يكون له دور ووجود وفاعلية.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري